تضع تصريحات المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف شودري العلاقة الدفاعية مع السعودية أمام مرحلة أكثر حساسية، بعدما أكد أن بلاده ستذهب إلى أبعد مدى في حماية المملكة والحرمين إذا تعرضا لاعتداء.
تعيد هذه اللغة فتح السؤال حول حدود التزام إسلام آباد باتفاق مكة، وهل يظل إطارا للردع والدفاع فقط، أم يتحول مع تصاعد هجمات الحوثيين إلى مشاركة عسكرية مباشرة بطلب سعودي.
اتفاق مكة يدخل اختبارا عمليا
وقعت السعودية وباكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، ونص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الجميع، مع تعزيز التعاون والردع الجماعي.
أكدت الدول الثلاث أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية، ولا يستهدف دولة بعينها، كما ربطته بمبادئ الدفاع الفردي والجماعي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وحماية السيادة والسلامة الإقليمية.
دخل الاتفاق مرحلة تنظيمية سريعة بنهاية أغسطس، عندما اجتمع وزراء الخارجية والدفاع وقادة الجيوش في إسطنبول، واتفقوا على إنشاء أمانة دائمة في السعودية وتوسيع التعاون الصناعي والتقني العسكري.
تكتسب تصريحات شودري أهميتها لأنها نقلت الخطاب الباكستاني من التأكيد العام على التضامن إلى التشديد على الدعم الدبلوماسي والمادي، مع وصف الالتزام بأمن السعودية بأنه غير مشروط عند وقوع اعتداء.
تزامن هذا التصعيد في الخطاب مع عودة الهجمات الحوثية على أهداف داخل السعودية، ومنها منشآت مرتبطة بالطاقة، بينما ردت الرياض عسكريا داخل اليمن وسط اتساع جديد لجبهة المواجهة.
يبقى نص الاتفاق نفسه مفتوحا في ما يتعلق بشكل الاستجابة العسكرية، فلا يحدد علنا قوات أو طائرات أو وحدات بعينها يجب إرسالها تلقائيا، ما يترك آليات التنفيذ للقرار السياسي.
تشير التصريحات الرسمية الباكستانية إلى أن الهدف المعلن هو الردع الجماعي ومنع الاعتداءات، لكن الحديث عن استعداد فعلي للدفاع يرفع مستوى الالتزام السياسي مقارنة بالمواقف الأكثر تحفظا خلال حرب اليمن عام 2015.
يضع ذلك باكستان أمام معادلة دقيقة تجمع بين تنفيذ التزاماتها الجديدة تجاه السعودية، والحفاظ على هامشها الدبلوماسي في علاقاتها الإقليمية، خصوصا مع إيران التي ترتبط معها بحدود ومصالح أمنية مباشرة.
تحالف قديم وحدود تدخل متغيرة
يمتد التعاون الدفاعي السعودي الباكستاني إلى ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت ترتيبات للتدريب والاستشارات العسكرية وتطوير قدرات القوات السعودية، ثم اتسعت العلاقة مع تصاعد الاضطرابات الإقليمية خلال العقود التالية.
شاركت عناصر وطيارون باكستانيون في دعم السعودية خلال أزمة الوديعة عام 1969، وتذكر روايات تاريخية أيضا مساهمة عناصر باكستانية في الجهود الأمنية المرتبطة باستعادة الحرم المكي عام 1979.
توسعت الشراكة في الثمانينيات بعد الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، وأرسلت إسلام آباد آلاف العسكريين إلى المملكة ضمن مهام دفاعية وتدريبية وحماية منشآت ومواقع حساسة من التهديدات الخارجية.
استمر هذا النمط خلال حرب الخليج مطلع التسعينيات، عندما أرسلت باكستان قوات إلى السعودية لأغراض دفاعية، بينما ظلت مشاركتها مقيدة بعدم الانخراط الواسع في العمليات الهجومية ضد العراق.
يكشف هذا التاريخ أن إسلام آباد ميزت مرارا بين الدفاع عن الأراضي السعودية والانخراط في حروب خارجها، وهي قاعدة ظهرت بوضوح عندما اندلعت الحملة العسكرية بقيادة الرياض في اليمن عام 2015.
قرر البرلمان الباكستاني آنذاك التزام الحياد في النزاع اليمني، ورفض مشاركة مباشرة في العمليات، لكنه أكد في الوقت نفسه الوقوف إلى جانب السعودية إذا تعرضت سلامتها الإقليمية أو الحرمين لتهديد.
أعاد اتفاق الدفاع الاستراتيجي الثنائي الموقع في سبتمبر 2025 صياغة هذه العلاقة بصورة أوضح، إذ نص على أن أي اعتداء على السعودية أو باكستان يعد اعتداء على الدولتين ويستدعي الردع المشترك.
جاء اتفاق مكة في أغسطس 2026 ليضيف تركيا إلى هذه المنظومة، وينقل التعاون من صيغة ثنائية إلى إطار ثلاثي مؤسسي، مع لجان سياسية وعسكرية ومشروعات للتدريب والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
اليمن يعيد حسابات إسلام آباد
يعيد التصعيد الحوثي الحالي اختبار الفارق بين الدفاع عن السعودية والمشاركة في حرب اليمن، لأن اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة فوق الأراضي السعودية يختلف سياسيا وعسكريا عن تنفيذ ضربات داخل اليمن.
تتيح طبيعة التعاون المعلنة مجالات مثل التدريب وبناء القدرات والتكنولوجيا والتنسيق الدفاعي، وهي مجالات ذكرتها باكستان رسميا، من دون أن يعني ذلك تلقائيا نشر قوات على جبهات القتال اليمنية.
لم تعلن الرياض حتى الآن، في المصادر الرسمية المتاحة، طلبا محددا من باكستان لنشر قوات أو تنفيذ عمليات هجومية، ولذلك تظل طبيعة أي مشاركة مستقبلية مرتبطة بتطور التهديد وقرارات الحكومات الثلاث.
تحتفظ الدول الثلاث بخطاب يؤكد دعم الأمن المشترك، بينما تصر بياناتها الرسمية على الطابع الدفاعي للاتفاق وتشجيع خفض التصعيد وضبط النفس والعمل باتجاه التسوية السلمية للأزمات الإقليمية كلما أمكن.
تواجه إسلام آباد كذلك حسابات داخلية وخارجية معقدة، لأنها تحاول حماية علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الخليج، وفي الوقت نفسه تجنب مواجهة مفتوحة مع إيران أو انتقال التوتر الإقليمي إلى حدودها الغربية.
يزيد موقع باكستان كقوة نووية من حساسية أي التزام دفاعي واسع، إلا أن النصوص الرسمية المنشورة لا تتضمن إشارة إلى مظلة نووية أو آلية تلقائية محددة لاستخدام نوع بعينه من القدرات.
تجعل التطورات الحالية حماية المجال الجوي السعودي والدفاع عن المنشآت الحيوية من أكثر الملفات ارتباطا بالاتفاق، لأن هذه المهام تنسجم مباشرة مع الصيغة المعلنة للردع والدفاع المشترك.
يبقى السؤال الحاسم متعلقا بخط الفصل بين الردع والتدخل، فكلما استمرت الهجمات على السعودية زادت الضغوط لترجمة اتفاق مكة إلى إجراءات ملموسة، بينما يظل حجم تلك الإجراءات مرهونا بطبيعة كل تهديد.

