شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا واضحًا في حملة الاعتقالات التي تستهدف أقارب المعارضين المصريين المقيمين في الخارج، فيما تسميه تقارير حقوقية بـ "القمع العابر للحدود" أو "العقاب بالوكالة".
ووفقًا للبيانات والتوثيقات الصادرة عن المنبر المصري لحقوق الإنسان (EHRF) ومنظمات أخرى مثل "هيومن رايتس ووتش"، فإن هذا النمط من الملاحقة تزايد بشكل ملحوظ ليمثل أداة أساسية للضغط بهدف إسكات الأصوات المعارضة في المنفى.
الاعتقالات المتجددة والمداهمات
وثقت المنظمات الحقوقية موجات اعتقال طالت أشقاء وأقارب نشطاء وإعلاميين، حيث يتم التحقيق معهم غالبًا حول أنشطة ومقار إقامة ذويهم بالخارج.
توقيف شقيقتي منى الشاذلي
على سبيل المثال، رصدت تقارير في أغسطس 2026 توقيف أفراد من عائلات معارضين بارزين مثل شقيقتي الناشطة السياسية منى الشاذلي (إيمان وصابرين)، في إطار التضييق والملاحقة الممتدة لأسرة الناشطة المقيمة بالخارج للضغط على ذويها المقيمين بالخارج، وهو ما تقول منظمات حقوقية إنه يشكل انتهاكًا جسيمًا للدستور المصري وللمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
اعتقال شقيق عمرو عبدالهادي
وفي 16 أغسطس الماضي، اقتحمت قوة من الأمن الوطني منزل والدة المحامي والناشط المقيم في الخارج عمرو عبد الهادي في الساعة الثانية فجرًا، وعندما لم تجدها اقتحمت بالتزامن منزل شقيقه أحمد عبد الهادي واقتادته من بين أفراد أسرته.
وظهر أحمد في اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 6252 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، ووجهت إليه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، وقررت النيابة حبسه 15 يومًا، رغم عدم ممارسته أي نشاط سياسي معارض.
كما استُدعيت والدته واحتُجزت لنحو خمس ساعات، وأفادت بأن مسؤولين أمنيين طالبوها بنقل رسالة إلى ابنها لوقف نشاطه، مع التهديد بمزيد من الإجراءات ضد الأسرة. وهنا تصبح إيصال رسالة إلى الناشط في الخارج جزءًا معلنًا من الغرض من الضغط على أسرته.
توقيف شقيق الصحفي أبو بكر خلاف
ووثّق المنبر حالة الصحفي أبو بكر إبراهيم خلاف، المقيم خارج مصر منذ نحو ثلاثة عشر عامًا، والذي أفاد بأن قوات الأمن اعتقلت شقيقه من منزل الأسرة واحتجزته نحو شهر دون عرضه على أي جهة قضائية ودون الكشف عن مكانه، قبل أن يظهر على ذمة قضية باتهامات تتعلق بالإرهاب.
وتركز استجوابه على نشاط شقيقه في الخارج. وبعد أيام، تلقّى أبو بكر اتصالًا من هاتف شقيقه أجراه أحد مسؤولي الأمن — أي أن الهاتف المصادَر من المحتجَز داخل مصر صار قناة للوصول إليه في الخارج. وكان أبو بكر يسعى خلال الفترة الأخيرة إلى إيجاد سبيل للعودة وزيارة والدته.
مضايقات لأقارب صحفيين بالجزيرة
وفي حالة صحفي بقناة "الجزيرة" - قال المنبر المصري إنه فضل عدم نشر اسمه خشية تصاعد الاستهداف ضد أسرته - امتد استهداف أفراد عائلته لسنوات، عبر مداهمات واعتقالات متكررة لأشقائه وأقاربه، إلى جانب منع والدته من السفر.
وبحسب إفادات الأسرة، ربط مسؤولون أمنيون في أكثر من مناسبة هذه الإجراءات مباشرة بنشاطه الإعلامي في الخارج، بما يثير مخاوف جدية من استمرار توسيع دائرة الاستهداف لتشمل أفرادًا آخرين من العائلة.
وتصاعدت هذه الإجراءات بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة. ففي منتصف يوليو الماضي، أُعيد القبض على شقيقه الأكبر بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه، وأُدرج على ذمة القضية رقم 5228 لسنة 2026 أمن دولة عليا. ثم أُدرج شقيقه الأصغر على ذمة القضية رقم 17050 لسنة 2026 جنح عين شمس، واحتُجز لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق.
ويخشى الصحفي من استمرار انتقال الاستهداف بين أفراد أسرته، بخاصة مع ورود معلومات عن احتجاز بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي وعدم تمكينهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم.
كما وثق المنبر حالة صحفي آخر بقناة الجزيرة فضل كذلك عدم نشر اسمه خشية الانتقام من أسرته. ففي أبريل الماضي، ألقت قوات الأمن القبض على شقيقين له، يبلغان 20 و19 عامًا وهما طالبان جامعيان، ما أدى إلى حرمانهما من أداء امتحاناتهما، ولا يزالان مختفيين قسريًا وفق المعلومات المتاحة للمنبر.
وامتد الاستهداف إلى والدته، التي تعرضت أثناء القبض عليها في عام 2024، ، لاعتداء أدى إلى إصابتها بكسر في أحد أضلاعها، بينما تركز التحقيق معها على نشاط ابنها الإعلامي وزيارتها له في الخارج. وتم التحقيق معها مجددا في أغسطس ٢٠٢٦، لمدة ٢٤ ساعة ثم تم إطلاق سراحها. وكان الصحفي قد تلقى أيضًا رسائل تهديد تضمنت معلومات وصورًا مرتبطة بمكان إقامته في الخارج، بالتوازي مع ضغوط مورست على الأسرة لنقل رسائل إليه.
اعتقال قريب الناشط محمد إبراهيم حسب الله
وكشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان مؤخرًا عن تلقيه استغاثة عاجلة من المواطن والناشط السياسي محمد إبراهيم حسب الله (المقيم في هولندا)، أفاد فيها بالقبض التعسفي على أحد أقاربه في مصر، ومساومته باحتجازه للضغط عليه ليعود ويسلم نفسه للسلطات المصرية.
وتم القبض على قريب الناشط مع اشتراط تسليم الأخير نفسه للإفراج عنه، في ترسيخ لسياسة "العقاب الجماعي" وأخذ الذوي كـ "رهائن".
ويمارس حسب الله نشاطًا معارضًا سلميًا منذ وصوله إلى هولندا في يناير 2024، شمل مشاركات واحتجاجات أمام السفارة المصرية بلاهاي ومحكمة العدل الدولية.
ويواجه الناشط مخاوف حقيقية وموثقة من التعرض للاحتجاز والملاحقة حال عودته لمصر على خلفية نشاطه المعارض.
محاكمة والد سيف الإسلام عيد
وفي يوليو الماضي، أُحيل السيد صبحي أحمد عيد، والد الباحث ومقدم بودكاست "عنبر كله يسمع" سيف الإسلام عيد، إلى المحاكمة على ذمة القضية رقم 6468 لسنة 2025، بعد أشهر من الحبس الاحتياطي، في نموذج واضح لاستخدام الأسرة كوسيلة للضغط على النشطاء والإعلاميين في الخارج.
وكان السيد عيد قد احتُجز سابقًا في 30 أبريل 2025 لمدة 18 يومًا، خضع خلالها لاستجوابات تركزت حول نشاط ابنه الإعلامي، قبل إطلاق سراحه دون اتهامات.
وفي 22 أكتوبر 2025، أعادت قوات الأمن اعتقاله من منزله في المندرة بالإسكندرية، بالتزامن مع مداهمة منزل الأسرة في كفر الدوار ومنزل والد زوجته، واستجواب أقارب بشأن نشاط سيف الإسلام. وبعد فترة من الاختفاء القسري، ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه احتياطيًا قبل إحالته لاحقًا للمحاكمة.
إخفاء شقيق سعد الغيطاني
وفي 5 فبراير الماضي، ألقت قوات الأمن بالإسكندرية القبض على خالد محمد محمد الغيطاني، شقيق المعارض سعد الغيطاني، والمحتجز تعسفيًا دون سند قانوني منذ ذلك الوقت.
وأوقف الغيطاني (52 عامًا) في تمام 11:00 صباحًا من أمام بوابة عمله بمنطقة الدخيلة – البيطاش بالإسكندرية، وتم اقتياده معصوب العينين لجهة غير معلومة دون أمر قضائي، ويرتبط ذلك بنشاط شقيقه السياسي وتعبيره السلمي عن رأيه، وتحديدًا مشاركته في كتابة الفيلم القصير (المصري - الهولندي) "أنا فين" المعني بقضية الإخفاء القسري.
شقيق شعبان خميس
وفي مايو 2025، ظهر سيد خميس أمام النيابة العامة بعد إخفاء قسري دام ثلاثة أسابيع عقب اعتقاله دون سند قانوني، على خلفية نشاط شقيقه الحقوقي المقيم بالخارج، فيما تمّ اعتقال شقيقه الآخر شعبان خميس لفترة وجيزة قبل الإفراج عنه بسبب حالته الصحية.
والد أحمد جمال زيادة
وفي واقعة أخرى، اعتقلت قوات الأمن في أغسطس 2023 والد الصحفي أحمد جمال زيادة واحتجزته لعدة أيام قبل الإفراج عنه، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها محاولة واضحة للانتقام من ابنه بسبب عمله الصحفي ونشاطه الإعلامي في الخارج.
أقارب محمد سلطان
كما استهدفت سلطات الانقلاب أقارب المدافع عن حقوق الإنسان محمد سلطان عبر مداهمة منازل عائلته واعتقال عدد من أفرادها عام 2020، في محاولة واضحة للضغط عليه بعد رفعه دعوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية ضد مسئولين مصريين سابقين.
وخلال عام 2025، تصاعدت الانتهاكات بحق والده الدكتور صلاح سلطان المحتجز حاليًا داخل أحد السجون المصرية، حيث يتعرض لمعاملة قاسية وإهمال طبي متعمّد يُعتقد أنه جاء انتقامًا من نشاط ابنه الحقوقي بالخارج.
عبد الرحمن عياش
وفي سبتمبر 2024، أُحيل الصحفي والباحث عبد الرحمن عياش إلى المحاكمة الغيابية أمام دوائر الإرهاب، على خلفية عمله الإعلامي والحقوقي من المنفى، بينما تعرض عدد من أفراد أسرته داخل مصر لمضايقات واستدعاءات أمنية مرتبطة بنشاطه، في إطار سياسة ممنهجة لمعاقبة النشطاء من خلال ذويهم.
وفي عام 2020 ألقت قوات الأمن القبض على أربعة من أقارب الإعلامي هشام عبد الله المقيم بتركيا. أما حسيبة محسوب (شقيقة الوزير الأسبق للشئون النيابية في حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي) فما زالت رهن الاحتجاز التعسفي منذ يناير 2020، وقد أحيلت في العام الماضي للمحاكمة بعدما تجاوزت الحد الأقصى للحبس الاحتياطي المقرر في القانون، وهي المحاكمة التي انعقدت أولى جلساتها في أكتوبر الماضي.
انتقام ممنهج
وبحسب مركز القاهرة لحقوق الإنسان، تتعرّض أسر النشطاء والمعارضين إلى مداهمات متكررة ومصادرة ممتلكات وفصل تعسفي من الوظائف العامة، ضمن نمط أوسع من الانتقام الممنهج بسبب نشاط ذويهم.
كما تم منع عدد من السيدات من السفر وسحب جوزات سفرهن أثناء اعتزامهن السفر لأداء العمرة أو الحج أو زيارة أقاربهن بالخارج، وتم بعدها استدعاء عدد منهن لمقرات الأمن الوطني بشكل غير قانوني واستجوابهن حول نشاط أقاربهم من المعارضين المقيمين بالخارج.
وخلال عامي 2024 و2025، وثق المنبر المصري لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 12 حالة من ممارسات العقاب بالوكالة ضد أسر نشطاء وصحفيين ومدافعين مصريين مقيمين في الخارج.
وتُظهر هذه البيانات أن سلطات الانقلاب تتعامل مع الروابط الأسرية كامتداد لمساحات السيطرة السياسية، إذ أصبح الاحتجاز والملاحقة أداة لإسكات الأصوات الناقدة في الخارج عبر إيذاء ذويهم في الداخل، في منحى خطير من الانتقام العابر للحدود.
وتشير منظمة "يوروميد ريتس" الحقوقية إلى أن الأجهزة الأمنية تستخدم الاحتجاز كوسيلة لمطالبة الأهالي بالضغط على أقاربهم في الخارج للتوقف عن التدوين أو الظهور الإعلامي.
وترى المنظمات الحقوقية أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا للمادة 95 من الدستور المصري والمواثيق الدولية، التي تؤكد على "شخصية العقوبة" وتمنع نقل المسؤولية الجنائية بناءً على صلة الدم أو القرابة. وتطالب هذه الجهات بضرورة إدراج استهداف الأسر صراحةً ضمن أطر رصد مواجهة القمع العابر للحدود من قِبل الآليات الدولية ودول اللجوء.

