يتسارع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، متجاوزاً السيطرة على الأراضي إلى محاصرة التجمعات الفلسطينية وعزلها عن موارد عيشها، وسط إجراءات إسرائيلية تعزز الوقائع وتضيّق فرص البقاء والتنقل والزراعة.

 

وتكشف تقارير حقوقية عن ترابط البؤر الرعوية واعتداءات المستوطنين والإغلاقات العسكرية، ضمن مسار يستهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية وتقليص الحيز الفلسطيني، بينما تتواصل دراسة مخططات استيطانية جديدة رغم الاعتراضات الدولية.

 

 

الاستيلاء يتمدد إلى عمق الضفة

 

قدّرت منظمة السلام الآن مساحة الأراضي التي استحوذ عليها مستوطنون في المنطقتين «أ» و«ب» بنحو مئة ألف دونم، في مؤشر على انتقال التوسع إلى مناطق تتولى السلطة الفلسطينية فيها صلاحيات.

 

ويشير هذا الامتداد إلى أن تقسيمات الضفة لم تعد تحمي التجمعات الفلسطينية من زحف البؤر الاستيطانية، إذ تتداخل السيطرة الميدانية مع الاعتداءات المتكررة، لتفرض قيوداً على استخدام الأرض والوصول إليها.

 

وفي تقرير مشترك بعنوان «أقصى مساحة، أدنى عدد من السكان»، وثّقت منظمات يش دين وبمكوم وهموكيد أربع حالات تكشف اتساع السياسات الرامية للسيطرة على الأرض وتقليص المساحات المتاحة للسكان الفلسطينيين.

 

وبحسب التقرير، بعدما تركز الضغط لسنوات على تجمعات معزولة في المنطقة «ج»، بات يمتد إلى بلدات ومناطق أوسع داخل الضفة، بما يعمق تفكيك التواصل الجغرافي بين السكان وأراضيهم الزراعية.

 

وتبدأ الحالات الموثقة بحرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ثم محاصرة تجمع سكني بالبؤر الرعوية، وعزل بلدة عن محيطها الزراعي، وصولاً إلى إعادة الاستيطان في مناطق شمال الضفة المحتلة.

 

وترى المنظمات أن هذه الوقائع ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات متصلة تجمع التوسع الاستيطاني والعنف والقيود على الحركة، وتدفع الفلسطينيين بعيداً عن أراضيهم وتحصر حياتهم في مساحات تتقلص باستمرار.

 

وفي منطقة التماس، تحولت القيود المفروضة على المزارعين منذ السابع من أكتوبر 2023، وفق التقرير، من إجراءات قُدمت بوصفها طارئة إلى واقع مستمر يعطل الوصول إلى الأراضي والعناية بالمحاصيل.

 

 

حصار البلدات واقتلاع جذور البقاء

 

وتقع منازل تجمع الرمانة، في منطقة أريحا، ضمن المنطقة «أ»، لكنها أصبحت محاطة ببؤر استيطانية رعوية، فيما يواجه السكان اعتداءات ومضايقات متكررة وقيوداً تعرقل الدخول إلى التجمع والخروج منه.

 

وتقدم الرمانة، بحسب المنظمات، مثالاً على تجاوز سياسات الاستيلاء حدود المنطقة «ج»، إذ يتزامن تطويق المنازل مع الضغط على الحركة اليومية، بما يجعل استمرار الحياة مرتبطاً بمواجهة مخاطر متواصلة.

 

وفي سنجل، الواقعة ضمن المنطقة «ب»، يتخذ الحصار أشكالاً متداخلة، تشمل البؤر الاستيطانية والأسوار والإغلاقات واعتداءات المستوطنين، ما يعزل السكان تدريجياً عن أراضيهم الزراعية ويضيّق المجال المتاح لعملهم وحياتهم.

 

وخلقت البؤر الرعوية شمال سنجل تواصلاً استيطانياً بين شيلو وعيلي ومعاليه ليفونا، بينما عزلت البلدة عن امتدادها الفلسطيني شمالاً وشرقاً، بالتوازي مع استيلاء مستوطنين على مساحات من أراضي الجنوب.

 

ووثّق التقرير اقتلاع أكثر من مئتي شجرة، بينها مئة وخمس وثلاثون شجرة زيتون، خلال إقامة سياج حول سنجل، إضافة إلى تجريف أراضٍ زراعية، بما يفاقم خسائر المزارعين ويهدد مصادر دخلهم.

 

ولا يقتصر الأثر على الأشجار المقتلعة، فالاعتداءات ووجود البؤر يجعلان الوصول إلى أجزاء من الأراضي المحيطة شديد الخطورة، وهو ما يحول ملكية الأرض إلى حق يتعذر على أصحابها ممارسته.

 

 

عودة المستوطنات تكرس تقطيع الأرض

 

وبين نابلس وجنين، يرصد التقرير مساراً موازياً لإعادة الاستيطان في المنطقة التي أُخليت منها مستوطنات حومش وسانور وغانيم وكاديم عام 2005، بما يعيد تشكيل المشهد الجغرافي في شمال الضفة.

 

ومنذ عام 2023، أزالت السلطات الإسرائيلية تدريجياً قيوداً كانت تمنع الإسرائيليين من العودة، وأُعيد الاستيطان في حومش، مع دفع خطوات لإقامة سانور مجدداً، وتقدم إجراءات أخرى تخص مستوطنتي غانيم وكاديم.

 

وترافقت هذه التحركات مع تغييرات في البنية التحتية وانتشار الجيش، فيما صدر خلال ديسمبر 2025 أمر بالاستيلاء على نحو خمسمئة دونم من الأراضي الزراعية الفلسطينية الخاصة، وفق ما أورده التقرير.

 

ويستهدف الأمر شق طريق يتجاوز طوله ستة كيلومترات لربط حومش بسانور، ما يوضح ارتباط البنية التحتية بتثبيت التوسع الاستيطاني، وتكريس فصل التجمعات الفلسطينية عن الأراضي التي تعتمد عليها في معيشتها.

 

وفي مسار التخطيط، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن لجنة إسرائيلية بحثت ثلاثة عشر مخططاً تشمل ألفاً وستمئة وسبعين وحدة استيطانية، وتتضمن إقامة مستوطنات جديدة وتوسيع أخرى قائمة داخل الضفة.

 

وجاء بحث المخططات، بحسب الهيئة، عقب إعلان اثنتي عشرة دولة غربية اعتزامها فرض قيود على سلع المستوطنات، بما يعكس استمرار الدفع بالمشروعات الاستيطانية رغم الضغوط والاعتراضات المعلنة على التوسع الإسرائيلي.

 

وتقول الحكومة الإسرائيلية إنها أقرت منذ تشكيلها أواخر عام 2022 إقامة مئة وأربع مستوطنات جديدة، إلى جانب مئة وستين بؤرة زراعية، في حصيلة تستخدمها لإبراز حجم التوسع الذي تحقق.

 

ويربط معدّو التقرير هذه السياسات برؤية الوزير بتسلئيل سموتريتش القائمة على السيطرة على أكبر مساحة بأقل عدد من الفلسطينيين، معتبرين عزل البلدات وانتزاع الأراضي وتقطيع التواصل الجغرافي أدوات لتحقيق هذا الهدف.