واصل الاحتلال الإسرائيلي استهداف الفلسطينيين في قطاع غزة، مخلفًا شهيدين ومصابين، بالتزامن مع توغل وتجريف، وتحذيرات من تفاقم التجويع وطمس أدلة الجرائم تحت الأنقاض.
وكشفت بيانات المكتب الإعلامي الحكومي اعتماد أكثر من 95% من السكان على المساعدات، بينما حذرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي من إزالة الركام قبل توثيق الأدلة.
رصاص يلاحق خيام النازحين
استشهد الفلسطيني المسن فتحي أبو عيادة، البالغ 69 عامًا، متأثرًا بإصابته بنيران إسرائيلية استهدفت خيام النازحين جنوب غرب خان يونس، فجر الثلاثاء.
وقالت مصادر طبية إن إطلاق النار طال خيامًا في منطقتي الإقليمي والمسلخ التركي، وأصاب فلسطينيين اثنين، قبل الإعلان عن استشهاد المسن في مستشفى ناصر.
ويضع استهداف الخيام النازحين مجددًا أمام خطر الموت داخل أماكن احتمائهم، بعدما فقدوا منازلهم، بينما يفترض أن يوفر اتفاق وقف إطلاق النار الحماية للمدنيين.
وأعلن مصدر طبي استشهاد رمزي أبو ريدة متأثرًا بجروح خطيرة، أصيب بها الجمعة إثر غارة نفذتها مسيرة إسرائيلية على تجمع لمدنيين غربي خان يونس.
وبذلك شملت حصيلة الشهداء المعلنة ضحية لإطلاق النار الجديد وأخرى لغارة سابقة، في امتداد للخسائر البشرية التي تتركها الاعتداءات حتى بعد انتهاء القصف المباشر.
وفي شمال القطاع، أصيب فلسطيني بجروح متوسطة جراء قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منزلًا في حي الفالوجا، غربي مخيم جباليا، وفق إفادة مصدر طبي.
وتوزعت الاعتداءات بين خيام ومنزل وتجمع مدني، بما يكشف استمرار تعرض أماكن وجود السكان للنيران، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025.
وفي وسط القطاع، أفاد شهود عيان ومصادر محلية بتقدم محدود لآليات إسرائيلية في منطقة أبو العجين، شرقي دير البلح، وسط إطلاق نار كثيف وقصف مدفعي.
وقالت المصادر إن الآليات، وبينها جرافة، تجاوزت الخط الأصفر بعشرات الأمتار غربًا، ونفذت أعمال تجريف في أراضي السكان، مضيفة اعتداءً ميدانيًا جديدًا إلى إطلاق النار.
ولم ترد بلاغات عن إصابات أو شهداء جراء التحرك في أبو العجين، لكن غياب الخسائر البشرية المبلغ عنها لا يلغي وقوع التوغل وأعمال التجريف.
وتجمع هذه الوقائع بين استهداف الأفراد والاعتداء على الأراضي، فيما يبقى المدنيون الطرف الذي يدفع ثمن استمرار الخروقات، سواء بالإصابة أو فقدان الأقارب والممتلكات.
ويعيد التصعيد طرح مسؤولية الوسطاء والجهات الراعية للاتفاق عن ضمان تنفيذه، بعدما استمرت الاعتداءات التي يفترض أن يوقفها، دون أن يشعر السكان بأمان مستقر.
وتبقى حماية النازحين مرتبطة بوقف النيران فعليًا، إذ لا تمنح الخيام أصحابها حماية من الرصاص، ولا يبدد إعلان التهدئة وحده المخاطر المحيطة بأماكن إقامتهم.
الركام يحمل أدلة الجرائم
بالتوازي مع الاعتداءات، حذرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أن إزالة إسرائيل للأنقاض قد تدمر أدلة قيمة.
وأوضحت ألبانيزي، في بيان الاثنين، أن الخطر يشمل أيضًا منع استعادة رفات ضحايا الحرب، بما يجعل التعامل مع الركام قضية تتجاوز رفع مخلفات المباني.
وشددت على ضرورة جمع الأدلة وتحديد هويات أصحاب الرفات قبل الشروع في الإزالة الكاملة، مؤكدة وجوب تولي الفلسطينيين المسؤولية عن خطط إزالة الأنقاض.
ويربط التحذير بين حقوق الضحايا وحماية الأدلة المادية، إذ قد يؤدي نقل الحطام دون توثيق وفحص إلى فقدان معلومات تتعلق بظروف القتل ومواقع الرفات.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة الواردة في المادة المنشورة، خلفت الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 نحو 61 مليون طن من الحطام والأنقاض داخل القطاع.
وقد تستغرق إزالة هذه الكميات سبع سنوات، وهو حجم يوضح اتساع الدمار، ويزيد أهمية وضع إجراءات تحمي الرفات والأدلة خلال عمليات الرفع والنقل.
واعتبرت ألبانيزي أن ركام غزة يمثل مسرحًا للجريمة ومقبرة وسجلًا ماديًا للقصف، محذرة من التعامل معه باعتباره مجرد بقايا أبنية ينبغي التخلص منها.
وقالت إن مصادر متعددة أكدت مشاركة شركات إسرائيلية في إزالة الأنقاض، لكنها لم تكشف أسماء هذه المصادر، وفق التفاصيل المتاحة في بيانها.
ويظل هذا الجانب من التحذير منسوبًا إلى المقررة الأممية، بينما تتمثل مطالبتها الأساسية في ضمان توثيق الأدلة واستعادة الرفات قبل تغيير مواقع الركام.
ويعني تقديم الإزالة على الفحص احتمال ضياع فرصة التعرف على ضحايا، وحرمان أسر من معرفة مصير أقاربها، فضلًا عن الإضرار بإمكانات توثيق ما جرى.
ولا يقدم البيان إزالة الأنقاض باعتبارها عملًا منفصلًا عن حقوق السكان، بل يربطها بمسؤوليتهم عن أرضهم وحقهم في حفظ ذاكرة الضحايا وأدلة الاعتداءات.
وتكتسب هذه المطالب أهمية مضاعفة مع استمرار سقوط ضحايا جدد، إذ تتراكم آثار الاعتداءات الراهنة فوق دمار سابق لم تنته عمليات البحث والتوثيق المتعلقة به.
وبين الحاجة إلى رفع الحطام وضرورة حماية الأدلة، يضع التحذير الأممي ترتيبًا واضحًا للأولويات: استعادة الرفات وتحديد الهويات والتوثيق قبل البدء بالإزالة الكاملة.
المساعدات دون ثلثي المطلوب
على جبهة الغذاء، حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من واقع يعتمد فيه أكثر من 95% من السكان بشكل كلي وحصري على المساعدات.
وقال المكتب إن أكثر من 90% من السكان فقدوا القدرة على شراء الغذاء، بما يجعل توفر بعض السلع في الأسواق عاجزًا عن تلبية احتياجاتهم.
وبحسب البيان، دخلت 69,387 شاحنة مساعدات وغذاء خلال فترة رصد بلغت 330 يومًا، مقابل 198 ألف شاحنة قال المكتب إنه كان يفترض دخولها.
وتعادل الشاحنات التي دخلت نحو 35% من العدد المذكور، بفجوة تبلغ 128,613 شاحنة، أي قرابة 65% من إجمالي الكميات المفترضة وفق أرقام المكتب.
وهذه الفجوة تعني أن ما دخل يقل كثيرًا عن الاحتياجات التي يستند إليها البيان، بينما تعتمد الغالبية الساحقة على الإمدادات القادمة عبر المعابر.
ووصف المكتب السياسة الإسرائيلية بأنها «تجويع صامت» و«هندسة للتجويع»، متهمًا الاحتلال بإبقاء تدفق المساعدات عند مستويات محدودة، رغم اتساع اعتماد السكان عليها يوميًا.
وتضاعف خسارة القدرة الشرائية أثر نقص الإمدادات؛ فالأسرة التي لا تستطيع شراء الطعام لا تجد في السوق بديلًا يعوض تعثر وصول المساعدات إليها.
وبذلك تتداخل أزمتان في حياة السكان: نقص ما يصل من الغذاء، والعجز عن دفع ثمن المتاح، فتضيق فرص الحصول على وجبة بصورة منتظمة.
وحمل المكتب الاحتلال والدول والجهات الداعمة له مسؤولية استمرار الأزمة، مطالبًا المجتمع الدولي ومجلس الأمن والوسطاء بالضغط لضمان تنفيذ الاتفاق وإدخال الغذاء والمساعدات.
كما دعا المؤسسات والمنظمات الدولية إلى كشف أبعاد الأزمة أمام الرأي العام، محذرًا من تداعيات إنسانية أشد إذا استمرت القيود والفجوة الكبيرة في الإمدادات.
وتضع الوقائع الثلاث السكان أمام تهديدات متزامنة: نيران تقتل، وإزالة أنقاض قد تمحو الأدلة، ونقص مساعدات يصيب مجتمعًا فقد معظم أفراده القدرة على الشراء.
وتبقى المطالب الملحة وقف الاعتداءات وحماية الرفات والأدلة وضمان تدفق الغذاء، حتى لا يظل اتفاق وقف إطلاق النار عاجزًا عن حماية حياة الفلسطينيين وحقوقهم.

