كشف تثبيت محكمة التعقيب أحكام قضية التآمر أن سلطة قيس سعيّد تمضي في تحويل القضاء إلى بوابة لإقصاء المعارضين، بينما جاء الاعتراض الأوروبي ليضع شرعية هذه المحاكمات أمام مساءلة دولية ثقيلة.

 

وفضح اعتبار التواصل مع دبلوماسيين معتمدين دليلا للاتهام اتساع دائرة التجريم، إذ لم تعد الملاحقة مرتبطة بأفعال عنيفة، بل امتدت إلى علاقات علنية يفترض أن يحميها القانون ويضمن مشروعيتها تماما.

 

 

محاكمة بلا ضمانات

 

أولا، رفضت محكمة التعقيب يوم 3 سبتمبر 2026 طعون الدفاع، وثبتت أحكاما نهائية بحق 34 متهما، تراوحت مددها بين 5 و45 عاما، لتغلق آخر مسار قضائي متاح أمامهم بصورة نهائية.

 

وفي المقابل، أكد الاتحاد الأوروبي أن تساؤلات جوهرية ما زالت تحيط باحترام ضمانات المحاكمة العادلة، مطالبا السلطات بتهيئة بيئة تسمح بالتعددية وبمساهمة الأصوات المستقلة بحرية كاملة وفعليا في تنمية البلاد.

 

كذلك، استنكر الاتحاد استخدام الاتصالات مع دبلوماسيين أوروبيين وغيرهم أساسا للاتهام أو دليلا ضد المتهمين، معتبرا ذلك مساسا بطبيعة العمل الدبلوماسي وبحق المواطنين في التواصل المشروع المباشر دون ترهيب أمني.

 

إلى جانب ذلك، قال محامون إنهم أبلغوا بموعد جلسة التعقيب قبل 3 أيام فقط، وهو أجل ضيق قوض قدرتهم على إعداد المرافعات في قضية ضخمة تضم عشرات المتهمين والاتهامات المتشعبة.

 

وفي هذا السياق، وصفت ياسمين أحمد، المسؤولة في منظمة العفو الدولية، تثبيت الأحكام بأنه ضربة مدمرة للعدالة، مؤكدة أن المحاكمة قامت على اتهامات بلا أساس وانتهاكات جسيمة لحقوق الدفاع الأساسية.

 

ثم اعتبرت أحمد أن إجبار المتهمين على حضور الجلسات عن بعد وحجب حقهم في المثول المباشر أفرغا المحاكمة من ضماناتها، وطالبت بإلغاء الإدانات وإطلاق سراح المحتجزين بسبب ممارستهم حقوقهم المشروعة.

 

أما السلطة، فتقول إن الملف يتعلق بحماية أمن الدولة ومكافحة الإرهاب والفوضى، غير أن اتساع الاتهامات وغموض الأدلة يتركان روايتها محاطة بشكوك لا تبددها الأحكام الطويلة أو الخطابات الرئاسية المتكررة.

 

 

الأدلة تحت الاتهام

 

ثانيا، بدأت القضية باعتقالات فبراير 2023، ثم شملت أكثر من 40 معارضا ومحاميا وناشطا ورجل أعمال، قبل إحالتهم بتهم تتدرج من التآمر إلى الإرهاب وتبديل هيئة الدولة وإثارة الاقتتال الداخلي.

 

ومن ناحية أخرى، تقول منظمات حقوقية إن أساس الملف يقوم على شهادات مجهولة ومحادثات خاصة ولقاءات مع دبلوماسيين وصحفيين وباحثين، لا على أفعال مادية تثبت التخطيط لعنف أو انقلاب حقيقي.

 

وبحسب مراجعة هيومن رايتس ووتش لقرار ختم التحقيق، بدت التهم الخطيرة بلا أساس وتكأت على أدلة ضعيفة، بينها إفادتان مجهولتان واتصالات اعتيادية جرى انتزاعها من سياقها وتحويلها إلى قرائن إدانة.

 

وعليه، رأى بسام خواجة، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، أن الحكم أغلق الملاذ الأخير أمام 34 مدانا ظلما، وجسد حملة ممتدة لإسكات المعارضين وسجنهم أو دفعهم للمنفى.

 

فضلا عن ذلك، تجاوز بعض المحتجزين الحد القانوني للإيقاف التحفظي، بينما واجه آخرون أوضاعا صحية متدهورة، ما يجعل العقوبة تبدأ قبل اكتمال التقاضي وتتحول إلى استنزاف جسدي ونفسي متعمد وقاس.

 

ومع ذلك، يكرر سعيّد أن القضاء مستقل وأن إجراءاته تستهدف الفساد وتفكيك شبكات العبث بالدولة، لكن خصومه يرون أن استقلال المؤسسة لا يقاس بالخطب بل بضماناتها ومقاومتها لضغط السلطة التنفيذية.

 

على صعيد مواز، تكشف ملاحقة محامين وصحفيين ونشطاء بالتوازي مع قيادات حزبية أن القضية ليست جزيرة منفصلة، وإنما حلقة ضمن تضييق متواصل يطال التعبير والتنظيم والاحتجاج ويجفف المجال العام تدريجيا.

 

 

الشراكة أمام اختبار

 

ثالثا، جاءت الأحكام بعد خمس سنوات من قرارات 25 يوليو 2021، حين علق سعيّد عمل البرلمان ثم حله، وأعاد بناء المؤسسات والدستور بما جمع صلاحيات واسعة في يد الرئاسة وحدها.

 

ومن ثم، لم يعد الخلاف متعلقا بملف قضائي واحد، بل بمسار كامل انتقل من الإجراءات الاستثنائية إلى هندسة سلطة فردية، تتراجع داخلها الرقابة وتتقلص المساحات المتاحة للخصوم والصحافة المستقلة تدريجيا.

 

في الأثناء، وصف بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، المحاكمة بأنها غير عادلة، وطالب القضاة بإنصاف المعتقلين ونقض الأحكام، محذرا من تحويل القضاء إلى أداة انتقام سلطوي.

 

وعلاوة على ذلك، تتزامن القضية مع توقيف الصحفي محمد اليوسفي وملاحقات طالت زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيس وخولة بوكريم، بما يعزز المخاوف من محاصرة النقد عبر ملفات متعددة ومتلاحقة.

 

وبالتوازي، ترى نقابة الصحفيين ومنظمات مستقلة أن تراكم القضايا المالية وقضايا التعبير يطيل الاحتجاز ويستنزف المستهدفين مهنيا وقانونيا، حتى عندما لا تقود الملفات سريعا إلى إدانات نهائية قابلة للتنفيذ قريبا.

 

لهذا، تبدو دعوة الاتحاد الأوروبي إلى التعددية أقل من حجم الانتهاك ما لم تتحول إلى مراجعة واضحة لعلاقاته مع تونس، وربط التعاون بضمانات قابلة للقياس تخص القضاء والحريات والمعتقلين مباشرة.

 

وبناء على ذلك، تواجه بروكسل اختبارا بين خطابها الحقوقي ومصالحها في الهجرة والأمن، إذ تمنح الشراكة غير المشروطة سلطة سعيّد موارد وشرعية بينما تواصل تضييق المجال العام بلا كلفة حقيقية.

 

غير أن التعويل على الضغط الخارجي وحده لا يكفي، فاستعادة الضمانات تتطلب إنهاء المحاكمات الجماعية، ووقف تجريم التواصل المدني، وتمكين الدفاع، وضمان حضور المتهمين، وإطلاق سراح المحتجزين تعسفيا فورا دون إبطاء.

 

وأخيرا، يرسخ تثبيت الأحكام رسالة ترهيب تتجاوز المحكومين إلى كل صوت مستقل، ومفادها أن المعارضة قد تصبح تآمرا، والاتصال دليلا، والمحاكمة إجراء شكليا يمنح القمع مظهرا قانونيا زائفا ومخادعا تماما.