دفعت قفزة عدد شركات التطوير العقاري من نحو 270 إلى قرابة 15 ألف شركة هيئة المجتمعات العمرانية إلى تشديد التخصيص، بما يمنح الكبار أفضلية ويهدد بإغلاق السوق أمام المنافسين الأصغر.

 

كشفت القواعد الجديدة حجم الفوضى التي تركتها الدولة تتضخم سنوات، بعدما تجاوز نمو الشركات 5400 في المئة دون رقابة تضمن التمويل أو التنفيذ أو تحمي المشترين من التأخير والتعثر وضياع المدخرات.

 

 

تخصيص يفصل الكبار

 

تربط الهيئة منح الأرض بالخبرة السابقة والملاءة المالية والقدرة التنفيذية عبر مزايدات رقمية، في تحول ينقل التقييم من دفع مقدمات الحجز إلى فحص سجل الشركة ومواردها وقدرتها الحقيقية على البناء.

 

وبموجب الضوابط، تحصل الشركة التي يقل عمرها عن 3 سنوات على قطعة واحدة، بينما لا تتجاوز حصة الشركات القائمة 3 قطع، ولا تسمح بالرابعة قبل إنجاز 35 في المئة فعليا.

 

وبالتالي، تستهدف القيود وقف تكديس الأراضي وبيع الوحدات قبل البناء، لكنها تمنح الهيئة سلطة واسعة في تحديد المستحقين، دون إعلان ضمانات كافية لشفافية المفاضلة أو التظلم من نتائجها لاحقا أمام الجهات المختصة.

 

كما أن طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، أكد افتقار الغرفة الحالية إلى أدوات محاسبة المطور المتأخر أو الممتنع عن التسليم، مطالبا اتحاد المطورين المرتقب بصلاحيات فعلية للعقاب وحماية المتعاملين.

 

غير أن اعتراف شكري بغياب المحاسبة يكشف تأخر الدولة في ضبط سوق سمحت بتضخمه، ثم بدأت الإصلاح من تقييد الأرض لا من ضمان أموال الحاجزين وتعويض المتضررين أولا بصورة فعلية.

 

علاوة على ذلك، تعطي القواعد الأولوية لكبار المطورين أصحاب التمويل الأوفر والسجلات الأقوى، وهو ترتيب قد يقلل التعثر، لكنه يعمق تمركز الأراضي لدى مجموعة محدودة تستطيع وحدها تحمل أثمان المزايدات.

 

في المقابل، تواجه الشركات الصغيرة اختبارا قد ينتهي بخروج بعضها أو تبعيتها للكبار، لأن سقف الأراضي ونسبة الإنجاز والملاءة المطلوبة تضيق نموها، حتى لو امتلكت خبرة فنية ومشروعات قابلة للتنفيذ.

 

ومن ثم، لا يكفي وصف الإجراءات بتنظيف السوق، لأن الغربلة دون تمويل عادل للمطورين الجادين قد تتحول إلى احتكار منظم، يدفع المستهلك ثمنه عبر خيارات أقل وأسعار أعلى وشروط أقسى.

 

 

الدولار بوابة الأرض

 

في مسار مواز، خصصت الهيئة بوابة للشركات الأجنبية والمصرية التي تتجاوز مساهمتها الأجنبية 60 في المئة، واشترطت تحويلات خارجية لا تقل عن 200 ألف دولار، لتصبح العملة معيارا للفوز بالأرض.

 

لذلك، لم تعد المفاضلة محصورة في كفاءة البناء وسابقة التسليم، إذ يتقدم المسددون بالدولار على المسددين بالجنيه، بما يحول احتياج الخزانة للعملة إلى ميزة قد تزيح شركات محلية أكثر كفاءة.

 

وفوق ذلك، تكشف الأفضلية الدولارية أن الحكومة تعامل أراضي المدن الجديدة أداة لجمع النقد الأجنبي، بينما يبقى نصيب الإسكان المتوسط والمحدود مجهولا من معروض ينتج عن تخصيص أصل عام بهذه الشروط.

 

بدوره، يرى محمد راشد، عضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري، أن النمو السريع كشف فجوة بين حجم السوق وتنظيمه، مطالبا بربط تصنيف المطورين بتخصيص الأراضي وفق القدرات المالية والفنية والتنفيذية.

 

بناء على ذلك، يدعم طرح راشد مبدأ الفرز، لكنه يضع المسؤولية على جودة التصنيف، لأن تغليب رأس المال قد يخلط بين المطور القادر على التسليم والمستثمر القادر على شراء الأرض.

 

ومع ذلك، لا تجيب القواعد عن مصير العملاء إذا تعثرت شركة اجتازت الاختبارات، ولا توضح الرقابة على حصيلة البيع أو جداول التنفيذ أو الجزاءات والتعويضات الواجبة عند الإخلال بمواعيد التسليم.

 

إضافة إلى ذلك، قد ترفع المزايدات الرقمية سعر الأرض، ثم ينقل المطور الزيادة للمشترين مع الفوائد وتكاليف البناء، فتنجح الهيئة في تعظيم الإيراد وتفشل في توفير سكن محتمل الكلفة للمواطنين.

 

هكذا، يصبح الدولار مفتاحا للأرض العامة، بينما تتراجع أولوية قياس أثر المشروع على احتياجات السكان ونسبة الوحدات المناسبة للدخل، وقدرته على تخفيف أزمة السكن بدلا من إنتاج مخزون استثماري مغلق.

 

 

المواطن يدفع الثمن

 

أما فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، فيؤكد أن كثرة المطورين تصنع منافسة تمنع الزيادات غير المبررة، وأن سعر الوحدة يعكس تكاليف الأرض والبناء والتمويل والتسويق مجتمعة.

 

لكن كلام فوزي يضيء الوجه الأخطر للضوابط، فتقليص المنافسين مع بقاء التكلفة مرتفعة قد يمنح الشركات الكبرى مساحة لفرض أسعارها، دون بدائل كافية تجبرها على تحسين المنتج أو تخفيف السداد.

 

وعليه، قد يحصل المشتري على شركة أقوى ماليا، لكنه سيدفع سعرا أعلى لوحدتها، وهي مفارقة تجعل الحماية ناقصة إذا انتهت بطرد الأسر المتوسطة من السوق وحصر المشروعات في الدخول الأعلى.

 

كذلك، يسبق التحول قانون اتحاد المطورين المنتظر، الذي يفترض تصنيف الشركات بحسب رأس المال والخبرة وسجل التسليم، ما يعني أن الهيئة تعيد ترتيب السوق إداريا قبل اكتمال التشريع وأدوات المساءلة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تنحصر الأزمة في ضعف الشركات، فارتفاع أسعار الأراضي ومدخلات البناء والفائدة وسياسة المزايدات عوامل حكومية تصنع الغلاء، ثم تستخدم الحكومة الغلاء نفسه مبررا لاستبعاد الأضعف دائما.

 

لهذا، يحتاج التنظيم إلى حسابات ضمان لأموال العملاء، ونشر نسب الإنجاز والمخالفات، وتسعير يدعم الإسكان المطلوب، وتمويل للشركات الصغيرة الجادة، وقواعد تمنع احتكار الكبار بدلا من تقليص الداخلين فقط عمليا.

 

وأخيرا، لن تقاس القواعد بعدد الشركات الخارجة أو الدولارات الداخلة، بل بالوحدات المسلمة في موعدها وسعرها الممكن، وإلا تحولت غربلة 15 ألف شركة إلى توزيع الأرض بين الأقوى وترك المواطن خارجها.