فجر مسن غضبه في مقطع مصور متداول، مهاجما أعباء فواتير الكهرباء وتكاليف خدمات الاتصالات، ومعتبرا أن الزيادات المتلاحقة تستنزف دخول المواطنين وتدفعهم إلى مواجهة نفقات أساسية تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.

 

ويأتي المقطع في وقت تصاعدت فيه شكاوى مرتبطة بتكلفة الخدمات الأساسية، بينما أعلنت الجهات المختصة خلال الأشهر الأخيرة تعديلات في تعريفة الكهرباء وبعض أسعار الاتصالات، مع تبريرات تتصل بتكاليف التشغيل والاستثمار واستدامة الخدمة.

 

وبالتالي، أعاد حديث الرجل إلى الواجهة سؤالا قديما حول الفجوة بين تكلفة المرافق ودخول الأسر، خاصة عندما تتراكم فواتير الكهرباء والاتصالات فوق أعباء الغذاء والسكن والنقل والخدمات اليومية الأخرى.


 

كما أن الشكوى لا تتوقف عند قيمة فاتورة منفردة، بل تمتد إلى الإحساس بتراجع القدرة على ضبط الإنفاق الشهري، حين تتحول الخدمات التي لا يمكن الاستغناء عنها إلى بنود تستحوذ على مساحة متزايدة من ميزانية الأسرة.

 

ضغط الفواتير يتصاعد

 

لزيادة الأعباء وضوحا، طبقت منظومة الكهرباء تعريفة جديدة للاستخدام المنزلي اعتبارا من أغسطس 2026، بمتوسط زيادة بلغ نحو 12% للشرائح غير الأولى، مع استمرار تحمل الدولة جانبا من التكلفة الفعلية.

 

لذلك، يرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن تقييم أثر أي زيادة لا ينبغي أن يقتصر على نسبتها المعلنة، وإنما يجب قياسها مقابل نمو الدخول والقدرة الشرائية وحجم الالتزامات التي تتحملها الأسر.

 

ومن ثم، فإن تراكم زيادات الخدمات، حتى لو بدت محدودة عند النظر إلى كل بند منفردا، يمكن أن ينتج ضغطا أكبر على المستهلك عندما تجتمع الكهرباء والاتصالات والنقل والغذاء داخل موازنة واحدة.

 

غير أن الجهات المعنية بالكهرباء تقول إن التسعيرة الجديدة جاءت بعد دراسات للتكلفة، وإن الدولة ما زالت تتحمل دعما كبيرا للشرائح الأقل استهلاكا، في محاولة لتخفيف العبء عن محدودي الاستهلاك.

 

علاوة على ذلك، أوضح منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، أن تكلفة إنتاج الكيلووات أعلى من التعريفة التي يدفعها المشترك في الشرائح الأولى، مؤكدا استمرار تحمل الدولة جانبا من الفارق.

 

بناء على ذلك، يبقى الخلاف قائما بين الحسابات الرسمية للتكلفة وتجربة المستهلك اليومية، إذ لا ينظر المواطن عادة إلى نسب الدعم، بقدر ما يقارن قيمة الفاتورة بما تبقى لديه من دخل.

 

اتصالات بأسعار متحركة

 

في المقابل، شهد قطاع الاتصالات تحريكا لبعض أسعار الخدمات والباقات، بعد طلبات قدمتها الشركات لمراجعة الأسعار، بينما قالت الجهات المنظمة إن الزيادات جرى حصرها في أضيق نطاق ممكن.

 

وفي هذا السياق، يقول المهندس محمد إبراهيم، نائب الرئيس التنفيذي والمتحدث باسم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إن تحريك بعض الأسعار ارتبط بالحاجة إلى تطوير الشبكات وتحسين جودة الخدمة واستيعاب الزيادة المستمرة في الاستخدام.

 

كذلك، أتاح الجهاز باقة للإنترنت الثابت بسعر 150 جنيها، بدلا من أقل باقة سابقة بلغت 210 جنيهات، إلى جانب باقة جديدة لخدمات المحمول بسعر 5 جنيهات.

 

وفي الوقت نفسه، يؤكد محمد طلعت، رئيس شعبة المحمول والاتصالات، أن بعض تكاليف القطاع تتأثر بعوامل الاستيراد وسعر الصرف وسلاسل الإمداد، وهي عناصر تنعكس بدورها على الشركات والمستهلكين.

 

رغم ذلك، لا تبدو مشكلة المستهلك محصورة في وجود باقات أرخص، إذ يرتبط رضاه أيضا بجودة الشبكة واستقرار الإنترنت ووضوح المحاسبة، وهي عناصر تجعل المقارنة بين السعر والخدمة أكثر تعقيدا.

 

من ناحية أخرى، أظهر تقرير حديث لمراقبة جودة خدمات المحمول تحسنا في بعض المؤشرات مقابل تراجع في مؤشرات أخرى للبيانات، بما يعيد طرح سؤال العلاقة بين ما يدفعه المستخدم وما يحصل عليه فعليا.

 

فجوة الدخل والتكلفة

 

إلى جانب ذلك، يربط الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، اتساع الضغوط المعيشية بتزامن ارتفاع تكاليف خدمات متعددة مع محدودية نمو دخول قطاعات واسعة، ما يجعل أي زيادة جديدة أكثر ثقلا داخل الإنفاق الشهري.

 

وعليه، فإن معالجة الغضب الذي عبر عنه الرجل في الفيديو تتطلب النظر إلى الصورة الكاملة، لأن المواطن لا يفصل بين فاتورة الكهرباء وكلفة الاتصال وأسعار الطعام، بل يجمعها جميعا تحت بند واحد هو المعيشة.

 

بالمقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن إعادة تسعير الخدمات ترتبط بالحفاظ على استمرارية المرافق وقدرتها على الاستثمار والتوسع، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الوقود والمعدات المستوردة والبنية التحتية المكلفة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن وجود دعم للشرائح الأقل استهلاكا لا يلغي شعور الأسر بالضغط، خصوصا عند انتقال الاستهلاك إلى شرائح أعلى أو عند تزامن الفواتير مع زيادات أخرى في الاحتياجات الأساسية.

 

وبهذا المعنى، يصبح مقطع المسن أكثر من مجرد لحظة غضب عابرة، إذ يعكس حالة احتكاك مباشرة بين المستهلك ومنظومة الخدمات، حيث تتحول الأرقام والقرارات إلى التزامات شهرية ملموسة.

 

أما السؤال الأهم، فيتعلق بمدى قدرة الشركات والجهات المنظمة على تحقيق توازن بين التمويل اللازم لتطوير المرافق وحماية المستهلك من انتقال كلفة التحولات الاقتصادية كاملة إلى فاتورته الشهرية.

 

وفي النهاية، تكشف الشكوى المصورة أن معركة الفواتير لا تحسمها البيانات الرسمية وحدها، فالمعيار الأكثر حساسية لدى المواطنين يظل قدرتهم الفعلية على الدفع، ومدى شعورهم بأن ما يحصلون عليه يوازي ما ينفقونه.