دفع جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو إعادة توزيع قواته بين الجبهات، مع بحث نقل وحدات من قطاع غزة ولبنان إلى الضفة الغربية المحتلة، وسط تصاعد هجمات المستوطنين والاقتحامات العسكرية وتحذيرات متزايدة من انفجار ميداني واسع.

 

وتأتي الخطوة بينما تشهد الضفة تصعيداً متزامناً في عنف المستوطنين والعمليات العسكرية، خصوصاً في شمالها، ما يضع المؤسسة العسكرية أمام جبهة إضافية تستنزف قواتها بعد سنوات من القتال والانتشار المتعدد.

 

وبحسب ما نقلته صحيفة معاريف عن مصادر عسكرية، تدرس هيئة الأركان الدفع بوحدات نظامية إضافية إلى الضفة، على حساب الانتشار القائم في غزة ولبنان، بعدما باتت القيادة تتعامل مع الوضع باعتباره مرشحاً للتدهور.

 

وبالتالي، لا تبدو إعادة الانتشار مجرد تعديل روتيني في خرائط التموضع العسكري، بل تعكس تقديراً بأن الضفة قد تتحول سريعاً إلى مركز مواجهة رئيسي، مع تراجع قدرة قوات الاحتلال على ضبط المستوطنين واحتواء الاحتكاكات.

 

كما أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير كان قد أمر خلال الأيام الماضية برفع حالة التأهب وتعزيز القوات في الضفة، في ظل ما وصفه الجيش بتحديات متزامنة تمتد بين جبهات إقليمية متعددة.

 

لزيادة الضغط، جاءت الاعتداءات الأخيرة في بلدة قصرة جنوب نابلس لتكشف حجم التداخل بين هجمات المستوطنين وانتشار الجيش، بعدما هاجم عشرات المستوطنين منازل فلسطينية وحاصروا سكاناً، بينما تحدثت شهادات عن اعتداءات واحتجازات.

 

لذلك، اكتسبت قصرة أهمية تتجاوز حدود البلدة الصغيرة، بعدما تحولت إلى نموذج مكثف لمسار أوسع تشهده مناطق الضفة، يقوم على توسيع الاعتداءات الميدانية وفرض قيود على الفلسطينيين تحت غطاء الانتشار العسكري.

 

ومن ثم، أعلن جيش الاحتلال قصرة وقرية جالود المجاورة منطقتين عسكريتين مغلقتين، في إجراء جاء بعد الهجمات، لكنه أثار تساؤلات فلسطينية حول ما إذا كانت القيود ستوفر حماية للسكان أم ستكرس عزلهم.

 

 

انفلات المستوطنين

 

غير أن المحلل العسكري الإسرائيلي عاموس هارئيل حذر سابقاً من فقدان الجيش والشرطة السيطرة على أجزاء من الضفة، معتبراً أن الجنود باتوا ينظرون إلى حماية المستوطنين باعتبارها مهمة مركزية تتقدم على فرض القانون.

 

علاوة على ذلك، أشار هارئيل إلى أن قوات الاحتلال لا تتعامل دائماً مع اعتداءات المستوطنين بوصفها تهديداً مستقلاً، بل إن بعض الوحدات تتحرك عملياً في بيئة تسمح للمستوطنين بفرض وقائع جديدة على الفلسطينيين.

 

وبناءً على ذلك، يكتسب نقل وحدات إضافية إلى الضفة بعداً مزدوجاً، إذ قد يهدف إلى احتواء الانفلات الميداني، لكنه قد يوفر في الوقت نفسه غطاءً عسكرياً أوسع لمناطق تشهد توسعاً استيطانياً وضغوطاً متصاعدة.

 

في المقابل، أظهرت الأحداث الأخيرة أن شرطة الاحتلال لم تعتقل، وفق مصادر إسرائيلية، مشاركين في الهجوم الواسع على قصرة، رغم استخدام الحجارة ومحاصرة فلسطينيين داخل أحد المنازل وتسجيل إصابات واعتداءات ميدانية.

 

وفي السياق نفسه، يرى الباحث الفلسطيني هاني المصري أن تصاعد الاستيطان والعنف المرتبط به ليس ظاهرة منفصلة عن الاحتلال، بل جزء من عملية متدرجة تهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية ودفع السكان بعيداً عن أراضيهم.

 

 

تصعيد يخدم الائتلاف

 

أما الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت، فيرى أن نتنياهو اعتاد إدارة الأزمات الداخلية عبر تأجيل الاستحقاقات ورفع منسوب التوتر، ما يجعل المخاوف العسكرية من استثمار التصعيد في الضفة ذات دلالة لا يمكن تجاهلها.

 

بالموازاة مع ذلك، نقلت هآرتس عن أوساط داخل المؤسسة العسكرية شكوكاً في أن نتنياهو قد يمهد لتدهور مقصود في الضفة قبل الانتخابات، بما يسمح بتحويل الاهتمام الإسرائيلي نحو جبهة أمنية جديدة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يخفي وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ومسؤولون آخرون في اليمين الاستيطاني رغبتهم في توسيع السيطرة الإسرائيلية على مناطق الضفة، عبر إجراءات تستهدف تغيير الوقائع القائمة وإضعاف الوجود الفلسطيني.

 

وعليه، يذهب الباحث الفلسطيني عبد الستار قاسم، في قراءاته لمسار الاستيطان، إلى أن الضفة تتعرض منذ سنوات لعملية قضم متواصلة، تعتمد الجمع بين القوة العسكرية والاستيطان والضغط المباشر على السكان.

 

وبالتزامن، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي توسيع انتشار الجيش إلى زيادة الاحتكاك بدلاً من تخفيفه، خصوصاً في ظل استمرار الاقتحامات والاعتقالات وإغلاق المناطق والطرق، بالتوازي مع نشاط متزايد للمستوطنين المسلحين.

 

 

استنزاف الجبهات

 

فضلاً عن ذلك، يأتي البحث في سحب قوات من غزة ولبنان بينما يعاني جيش الاحتلال من استنزاف بشري وعسكري بسبب تعدد الجبهات، ما يجعل كل عملية إعادة انتشار مرتبطة بحسابات دقيقة تتجاوز الضفة وحدها.

 

وفي الوقت ذاته، تشهد غزة استمراراً للغارات الإسرائيلية، بينما قتل ثلاثة فلسطينيين، السبت، في هجمات متفرقة، بينها استهداف دراجة كهربائية في مدينة غزة ومزارع قرب دير البلح، وفق مصادر فلسطينية.

 

إلى جانب ذلك، أعلن جيش الاحتلال أن إحدى غاراته في وسط القطاع استهدفت قائداً في الجناح العسكري لحماس، مدعياً وجود تهديد فوري، بينما تحدثت مصادر فلسطينية عن إصابات قرب مستشفى شهداء الأقصى.

 

نتيجة لذلك، قد يؤدي تقليص القوات المنتشرة في غزة أو لبنان إلى إعادة ترتيب أولويات الجيش في مناطق لا تزال تشهد توتراً، بما يكشف محدودية القدرة الإسرائيلية على الاحتفاظ بانتشار مكثف ومستدام في جميع الجبهات.

 

في المحصلة، تضع التطورات المتسارعة الضفة في قلب الحسابات العسكرية للاحتلال، مع اجتماع عنف المستوطنين والعمليات العسكرية والتحذيرات الداخلية، في مشهد ينذر بأن نقل القوات قد يكون مقدمة لمرحلة أكثر اشتعالاً.