دفع قرار الحكومة خفض حصة الأسمدة المدعمة بسبب ارتفاع تكلفة الغاز، المزارعين إلى مواجهة جديدة مع كلفة الإنتاج، بعدما تراجعت الكميات السنوية من 2 مليون و400 ألف طن إلى 1 مليون و800 ألف طن.
ويضع التقليص نحو 600 ألف طن خارج مسار الدعم السنوي، بما يفتح فجوة بين احتياجات الأراضي والكميات المتاحة عبر الجمعيات، ويدفع من لا يحصل على حصته كاملة إلى السوق الحرة.
الدعم يتراجع فعليا
وفي المقابل، يمنح القرار شركات الأسمدة مساحة أكبر لبيع الإنتاج محليا أو تصديره، بعد خفض النسبة الموردة لوزارة الزراعة إلى نحو 30 في المائة من إجمالي إنتاج المصانع حاليا بالأسواق.
وبينما تثبت الحكومة السعر المدعم عند 4500 جنيه للطن، يبقى الخطر في الكمية، لأن المزارع قد يضطر لاستكمال احتياجاته من سوق اقترب فيها الطن من 20 ألف جنيه خلال الموسم.
لذلك تكشف الفجوة بين 4500 جنيه للطن المدعم ونحو 20 ألف جنيه في السوق الحرة حجم العبء المحتمل، إذ ينتقل جزء من تكلفة السماد مباشرة إلى الفدان والمحصول وربحية المزارع.
ومن ثم يرتبط القرار بزيادة سعر الغاز المورد للمصانع إلى 8 دولارات ونصف للمليون وحدة حرارية، بينما يمثل الغاز المادة الخام الأساسية في صناعة الأسمدة الأزوتية ونحو 60 في المائة من تكلفتها.
وفي هذا السياق، يؤكد شريف الجبلي رئيس شعبة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات أن الغاز يمثل بين 60 و70 في المائة من تكلفة الأسمدة الأزوتية، ما يجعل زيادته تنعكس مباشرة على المصانع.
علاوة على ذلك، يرى الجبلي أن استقرار الصناعة يتطلب توازنا بين تلبية السوق المحلية والتصدير، وهو توازن يصبح أكثر حساسية عندما تخفض الدولة الكميات المدعمة وتتيح للشركات بيع حصة أكبر.
وبحسب البيانات المتاحة، تراجع سعر طن الأسمدة الحرة خلال أغسطس من نحو 26 ألف جنيه إلى قرابة 20 ألفا، لكن السعر ما زال يزيد عدة مرات على السعر المدعم للمزارعين حاليا.
الفدان يدفع الفارق
كذلك قد يؤدي ارتفاع المعروض في السوق الحرة إلى تهدئة الأسعار، لكنه لا يضمن استفادة المزارع الصغير إذا لم تسمح سيولته بشراء احتياجاته بسعر يقترب من أربعة أمثال الدعم فعليا.
غير أن المشكلة لا تبدأ عند المصنع فقط، إذ تظهر شكاوى من تأخر الصرف ونفاد الكميات داخل بعض الجمعيات، ما يجعل أي خفض إضافي أكثر قسوة خلال مواسم التسميد الحساسة.
بناء على ذلك، يحذر إبراهيم الحداد عضو شعبة الخضروات والفاكهة باتحاد الغرف التجارية من أن الكميات الحكومية المطروحة لا تكفي احتياجات الزراعة، وأن النقص قد يفتح الباب أمام السوق السوداء.
ومن ناحية أخرى، ترتفع تكلفة الزراعة أصلا بفعل العمالة والري والكهرباء والمبيدات والنقل وإيجارات الأراضي، لذلك ينضم السماد إلى سلسلة زيادات تضيق هامش الربح لدى المنتجين الصغار بصورة متواصلة حاليا.
لهذا يصبح نقص الحصة المدعمة زيادة غير مباشرة في السعر، لأن المزارع قد يحصل على جزء بالسعر الرسمي ثم يشتري الباقي حرا، فترتفع تكلفة السماد الفعلية كثيرا عن السعر المعلن.
بالتوازي، يمكن أن يدفع ارتفاع التكلفة بعض المزارعين إلى تقليل جرعات التسميد أو تأخيرها، وهو خيار يخفض المصروفات مؤقتا لكنه قد يضر نمو النبات والإنتاجية وجودة المحصول في نهاية الموسم.
وعلى صعيد التوزيع، تتضاعف المشكلة حين تتأخر الحصص داخل الجمعيات أو تصل بكميات أقل من المطلوب، لأن توقيت التسميد عنصر حاسم، وأي تأخير قد يدفع المزارع للشراء الحر رغم وجود دعم معلن.
وفوق ذلك، لا يتحمل جميع المزارعين الزيادة بالقدرة نفسها، إذ يستطيع كبار المنتجين شراء كميات مقدما، بينما يواجه صغار الحائزين ضغوطا أكبر بسبب محدودية السيولة وتراكم نفقات الري والعمالة والمبيدات.
السوق الحرة تضغط
وفي اتجاه مواز، حذر حسين عبدالرحمن أبو صدام نقيب الفلاحين من أن تقليص الأسمدة المدعمة لبعض الزراعات يضاعف الأعباء، لأن الفارق بين سعر الشيكارة المدعمة والحرة أصبح ثقيلا على المزارعين.
ووفقا لأبو صدام، قد يدفع ارتفاع كلفة السماد المزارعين إلى خفض الكميات المستخدمة والعناصر التكميلية، بما ينعكس سلبا على حجم الإنتاج وجودته، ويفتح الطريق أمام ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
ومع ذلك، تقول الحكومة إن القرار لا يعني إلغاء دعم الأسمدة، وإن الهدف هو تخفيف الضغوط على المصانع بعد زيادة الغاز، مع استمرار توجيه الكميات المتاحة للمستحقين ضمن المنظومة الرسمية.
لكن تقليص الكميات من 2 مليون و400 ألف طن إلى 1 مليون و800 ألف طن يظل خفضا ماديا واضحا في حجم ما يدخل منظومة الدعم، حتى مع بقاء السعر عند 4500 جنيه للطن المدعم المعلن.
وفوق هذا، جاء الخفض بعد إجراءات سابقة شملت وقف الدعم عن بعض مزارعي الفاكهة وتقليص حصة قصب السكر، ما يشير إلى انتقال المنظومة نحو توزيع أكثر انتقائية للكميات المتاحة للمزارعين.
وفي الوقت نفسه، يتيح تقليل التوريد المدعم للشركات زيادة الكميات الموجهة للسوق الحرة والتصدير، خصوصا بعد إلغاء رسم الصادر على الأسمدة الأزوتية منذ بداية أغسطس لتعزيز مبيعاتها الخارجية في الخارج.
وبالتالي تبرز معادلة حساسة بين حماية المصانع من تكلفة الغاز وحماية المزارع من تكلفة السماد، لأن تخفيف العبء عن المنتج الصناعي قد ينقل جزءا منه إلى المنتج الزراعي إذا لم تكف الحصص.
وأخيرا، يكشف خفض 600 ألف طن من الأسمدة المدعمة أن تثبيت السعر لا يكفي لحماية المزارعين، لأن قيمة الدعم تقاس بقدرتهم على الحصول على الكمية المطلوبة في موعدها دون اللجوء للسوق الحرة.

