كشف خفض مصانع الحديد إنتاجها خلال الأشهر الثلاثة الماضية حجم الضغط الذي فرضه نقص البليت المحلي وارتفاع تكلفة استيراده، فيما منع ركود المبيعات وضعف الطلب انتقال الأزمة بالكامل إلى أسعار حديد التسليح حتى الآن.

 

ويعكس هذا التراجع مفارقة حادة داخل السوق، فالمصانع تواجه خامًا أقل وتكلفة أعلى ومعدلات تشغيل أضعف، بينما يظل المستهلك عاجزًا عن دفع أسعار جديدة، ما يحاصر المنتجين بين خسائر التشغيل وخطر التوقف.

 

أما في قلب الأزمة، فقد خفض مصنع الجارحي إنتاجه من نحو 70 ألف طن شهريًا إلى 15 ألف طن فقط، أي بتراجع يقارب 79%، بعدما عجز عن تأمين احتياجاته المعتادة من البليت المحلي.

 

وبحسب أشرف الجارحي، لم تتجاوز التوريدات التي حصل عليها مصنعه من العز للصلب والسويس للصلب 35 ألف طن منذ أبريل الماضي، وهي كمية تقل بأكثر من 80% عن احتياجات التشغيل المعتادة.

 

ومنذ فرض رسوم إغراق بنسبة 13% على واردات البليت في أبريل، ارتفعت تكلفة الاستيراد على مصانع الدرفلة، التي كانت تعتمد على الخارج لتعويض النقص المحلي وتأمين الخامات اللازمة لاستمرار خطوط الإنتاج.

 

وفي المقابل، لم تؤد هذه القيود إلى قفزة جديدة في أسعار حديد التسليح، لأن السوق التي شهدت زيادات سابقة بنحو 3 إلى 3٫5 آلاف جنيه للطن اصطدمت لاحقًا بركود شديد في الطلب.

 

وبذلك، اقترب سعر الحديد بعد زيادات يناير وأبريل من 40 ألف جنيه للطن، لكن قدرة المصانع على تمرير مزيد من الزيادات تراجعت مع ضعف حركة البناء والشراء وتباطؤ دوران المخزون.

 

بينما يضع هذا الوضع مصانع الدرفلة أمام معادلة صعبة، إذ ترتفع تكلفة الخام والطاقة والنقل، ولا يسمح السوق برفع سعر المنتج النهائي بالقدر الذي يغطي التكلفة ويضمن هامشًا مستقرًا للتشغيل.

 

ومن ثم، أصبحت أزمة البليت اختبارًا لجدوى الرسوم المفروضة، لأنها تحمي المنتج المحلي نظريًا، لكنها تضغط عمليًا على مصانع لا تنتج الخام وتعتمد على شرائه محليًا أو استيراده بأسعار مرتفعة.

 

كذلك تكشف الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بنقص مؤقت فقط، بل بخلل في إتاحة مدخل أساسي للصناعة، إذ تحتاج مصانع الدرفلة إلى تدفقات منتظمة من البليت حتى تحافظ على استقرار الإنتاج.

 

 

تكلفة الخام تخنق التشغيل

 

وأكد أشرف الجارحي أن سعر طن البليت يبلغ نحو 34 ألف جنيه، يضاف إليها قرابة 500 جنيه للنقل، بينما يباع طن حديد التسليح النهائي عند نحو 37 ألف جنيه فقط حاليًا.

 

ولأن إنتاج طن واحد من حديد التسليح يحتاج إلى نحو 1٫1 طن من البليت، فإن تكلفة الخام وحدها تلتهم مساحة واسعة من السعر النهائي، قبل احتساب التشغيل والطاقة والأجور والنقل.

 

وفوق ذلك، قدر الجارحي أن رسوم الإغراق رفعت تكلفة استيراد طن البليت بنحو 5 آلاف جنيه بعد الرسوم والضرائب، ليصل إلى السوق المحلية بنحو 33 ألف جنيه للطن تقريبًا حاليًا.

 

وتعني هذه الفجوة أن استمرار الإنتاج عند الأسعار الحالية قد يتحول إلى عبء مالي على بعض مصانع الدرفلة، خصوصًا تلك التي لا تملك مخزونًا قديمًا أو تعاقدات توريد طويلة الأجل.

 

 

الركود يمنع تمرير الزيادة

 

وعلى مستوى السوق، رأى أحمد الزيني أن ضعف الطلب هو العامل الأهم الذي منع نقص البليت من التحول إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الحديد خلال الفترة الأخيرة داخل السوق المحلية.

 

وأضاف الزيني أن الركود يجعل تمرير أي زيادة جديدة شديد الصعوبة، حتى مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع معدلات التشغيل، لأن المستهلكين لا يظهرون طلبًا قادرًا على امتصاص أسعار أعلى حاليًا.

 

لذلك، دعا إلى خفض تكلفة الإنتاج وإتاحة الخامات أمام مختلف المنتجين، معتبرًا أن توسيع الوصول إلى المدخلات يعزز المنافسة ويحد من تركز القدرة على الإنتاج لدى عدد محدود من الشركات.

 

ورجح الزيني أن يدفع استمرار الركود المصانع والتجار إلى تقديم عروض سعرية أو حوافز لتحريك المبيعات، خاصة مع ارتفاع تكلفة التخزين وتباطؤ دوران رأس المال داخل سوق مواد البناء المحلية.

 

غير أن هذه الحوافز لا تعني انتهاء الأزمة، لأنها قد تخفف ضغط المخزون مؤقتًا، لكنها لا تعالج نقص البليت أو ارتفاع تكلفة استيراده أو تقلص هوامش التشغيل لدى مصانع الدرفلة.

 

 

المخزون ينفد والتوقف يتسع

 

وفي مؤشر أكثر حدة، قال أيمن العشري إن مصنعه متوقف منذ شهر بسبب نقص البليت، بعد أن اعتمدت مصانع عدة في البداية على مخزونات سابقة سمحت باستمرار الإنتاج مؤقتًا لديها.

 

وبعد نفاد تلك المخزونات، بدأت آثار القرار تظهر بصورة أوضح على خطوط الإنتاج، فيما تقدمت مصانع بمذكرات إلى مجلس الوزراء لعرض الأزمة والتحذير من انعكاساتها على التشغيل والإمدادات خلال الفترة المقبلة.

 

ومن زاوية حجم السوق، تشير تقديرات القطاع إلى أن مصانع الدرفلة تمثل نحو 20% من سوق الحديد، ما يحد مؤقتًا من تأثير توقف بعضها على إجمالي المعروض المتاح للمستهلكين حاليًا.

 

كما تعمل مصانع الحديد حاليًا بنحو 50% من طاقتها بسبب ضعف الطلب، وهو ما يترك طاقات إنتاجية غير مستغلة يمكنها تغطية الاحتياجات الحالية رغم تراجع إنتاج بعض مصانع الدرفلة الأخرى.

 

لكن استمرار خفض الطاقات الإنتاجية قد يتحول إلى ضغط سعري عند تعافي الطلب، إذا بقي نقص البليت وارتفاع تكلفة الاستيراد من دون حلول تسمح بزيادة التشغيل واستعادة معدلات الإنتاج المعتادة.

 

وأخيرًا، تكشف الأزمة أن استقرار السعر الحالي لا يعكس سلامة السوق بقدر ما يعكس ضعف الطلب، بينما تتراكم داخل المصانع ضغوط خام وتكلفة وتشغيل قد تظهر آثارها فور تحسن البناء والشراء.