تعرضت مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، لهجوم بطائرات مسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع، قالت مصادر عسكرية إن عددها بلغ 20 مسيّرة، واستهدف مقار عسكرية وحكومية ومناطق سكنية، وسط أنباء عن قتلى وجرحى مدنيين لم يصدر بشأنهم حصر رسمي نهائي.
ولا تبدو الأبيض مجرد هدف عسكري على خريطة الحرب؛ فمدينة تستقبل نازحين وتعمل مركزًا للخدمات والتجارة تتحول مع كل غارة إلى مساحة خوف يومي، يدفع فيها السكان ثمن صراع على السيطرة لا يملكون قرار إشعاله ولا أدوات الهروب منه.
غارات داخل مدينة محاصرة
بدأت الهجمات فجر الجمعة واستمرت لأكثر من ساعتين، بحسب شهود عيان، وسط دوي انفجارات قوية وأصوات مضادات أرضية هزت أحياء المدينة، بينما شوهدت أعمدة دخان من مواقع عدة داخل الأبيض ومحيطها.
وقالت مصادر محلية إن الهجمات طالت قاعدة عسكرية ومقر الشرطة والبرلمان الإقليمي ومكاتب اتصالات والمنطقة القريبة من الملعب البلدي، وهي أهداف يكشف تنوعها اتساع دائرة الضربات داخل مدينة مأهولة بالسكان.
ولا يمكن التعامل مع روايات الجانبين بوصفها حقائق مكتملة؛ فالجيش لم يصدر بيانًا تفصيليًا يحدد الخسائر، فيما تنشر منصات موالية للدعم السريع روايتها عن إصابة مواقع عسكرية، وسط غياب تحقيق مستقل في الأضرار المدنية.
وأكد مصدر عسكري لوكالة الصحافة الفرنسية أن الدفاعات الجوية اعترضت 20 طائرة مسيّرة، بينما تحدثت منصات تابعة للجيش عن إسقاط أكثر من سبع مسيّرات انتحارية، وهو تباين يستدعي الحذر في تثبيت العدد النهائي للهجوم.
وقالت الدكتورة إيفا خير، الطبيبة والمستشارة في الحماية وبناء السلام، في إحاطتها لمجلس الأمن في أغسطس 2026، إن الأبيض تتعرض للقصف ويُضيَّق عليها في الغذاء والوقود والدواء، مع ضربات طالت أسواقًا ومستشفيات وتجمعات مدنية.
وهذا التوصيف يضع الهجوم الأخير في سياق أخطر من استهداف ثكنة أو مقر إداري؛ إذ إن استخدام المسيّرات داخل مدينة مكتظة يجعل المدنيين عرضة للشظايا والذعر وتعطل الخدمات، حتى عندما يكون الهدف المعلن عسكريًا.
وأظهرت مقاطع مصورة تداولها ناشطون حطام مسيّرة في وسط المدينة، لكن التحقق من المقاطع وحده لا يكفي لتحديد موقع الإطلاق أو حجم الضرر، وهو ما يضاعف مسؤولية السلطات عن نشر معلومات دقيقة وفي توقيت مناسب.
وتكررت خلال الأشهر الماضية هجمات بالمسيّرات على الأبيض ومحيطها، وأصابت مواقع عسكرية ومدنية، ما يعني أن السكان يعيشون تحت إنذار مفتوح لا تحت واقعة عابرة يمكن احتواؤها بعد انتهاء أصوات المضادات.
فإسقاط الطائرات لا يساوي حماية مكتملة للمدينة؛ إذ تبقى آثار السقوط والانفجار وارتباك الحركة والخوف من الضربة التالية جزءًا من كلفة يومية تقع على الأسر، خصوصًا النساء والأطفال والنازحين.
الأبيض في قلب كردفان
تحتفظ الأبيض بأهمية عسكرية ولوجستية كبيرة، فهي مركز قيادة وسيطرة لعمليات الجيش في كردفان، وتقع على طريق يربط دارفور بغرب السودان ومناطق الوسط، ما يجعل السيطرة عليها مكسبًا مؤثرًا في مسار الحرب.
وكان الجيش قد أعلن فك حصار سابق عن المدينة في فبراير الماضي، غير أن تغير خريطة السيطرة في دارفور، ولا سيما بعد سقوط الفاشر، أعاد ضغط الدعم السريع على كردفان وعلى الأبيض بوصفها آخر عقدة مركزية كبيرة للجيش.
وتسيطر قوات الدعم السريع على مدن وبلدات عدة في كردفان، فيما يتمسك الجيش بالأبيض ومحيطها وبمدن كبيرة في جنوب كردفان وجبال النوبة، لتتحول المنطقة إلى جبهة ممتدة تتجاوز حدود معركة واحدة أو طريق واحد.
ويرى الباحث السوداني حميد خلف الله أن الحرب لم تعد مجرد صراع محدود بين قيادتين عسكريتين، بل صارت مسارًا لتفكيك الدولة وإنتاج سلطات متوازية، فيما يقع المدنيون في قلب العنف مع كل تغير في خطوط السيطرة.
وتكشف الأبيض هذا المعنى بوضوح؛ فالمعركة عليها لا تتصل بالموقع العسكري وحده، بل بالطرق والأسواق والاتصالات والمستشفيات ومخازن الإمداد، أي بكل ما يسمح للمدينة بأن تظل قابلة للعيش أو يدفعها إلى الانهيار.
وأفادت منظمة أطباء بلا حدود في يوليو الماضي بأن نحو نصف مليون شخص في الأبيض يعانون تراجع الخدمات الأساسية، إلى جانب نحو مائة ألف نازح لجؤوا إلى المدينة هربًا من العنف في مناطق أخرى من كردفان.
كما وثقت المنظمة تعطلًا في الكهرباء وارتفاعًا في كلف النقل والوقود وصعوبات في الوصول إلى المياه والرعاية الطبية، وهي أزمات لا تُرى في بيانات العمليات العسكرية لكنها تحدد مصير المرضى والأطفال وأصحاب الدخل اليومي.
ومع استمرار القتال قرب المدينة وطرقها، تصبح الإغاثة نفسها رهينة للمعركة؛ فدخول الدواء والغذاء ووقود تشغيل المستشفيات يحتاج إلى ممرات آمنة، لا إلى وعود سياسية تتبدد أمام أول تصعيد جديد.
الوساطات وخطاب التهديد
في موازاة الهجوم، رحبت الحكومة السودانية بإدانة الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، وبتمسكها بوحدة السودان ومؤسساته، عقب زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى جيبوتي.
لكن تحالف «تأسيس» الموالي للدعم السريع رفض بيان «إيغاد»، واتهم المنظمة بالانحياز للجيش، في مؤشر جديد على أن الوساطة الإقليمية تواجه أزمة ثقة حقيقية بين الأطراف قبل أن تواجه تعقيدات الميدان.
ويعني هذا الانقسام أن بيانات الإدانة وحدها لا توقف المسيّرات ولا تفتح الطرق ولا تحمي السكان؛ فالوساطة التي لا تستطيع فرض التزامات واضحة لحماية المدنيين تتحول إلى ساحة أخرى لتبادل الاتهامات.
وحذّر ألان بوسويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، في تحليلاته للحرب السودانية من أن التحولات الميدانية وتعدد مراكز السلطة يضعفان فرص الحسم العسكري ويعززان خطر الانقسام الفعلي للدولة.
وتزداد خطورة ذلك مع خطاب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، الذي توعد قادة تحالف «صمود» بعدم السماح لهم بالعودة إلى السودان، بدل تقديم ضمانات علنية تحمي الحق في العمل السياسي المدني بعيدًا عن التهديد.
فالخلاف مع تحالف مدني مناهض للحرب لا يبرر إغلاق باب العودة أو ترك مصير الخصوم لوعيد جماهيري، لأن استعادة الدولة لا تُبنى بإقصاء المدنيين، بل بقانون يضمن سلامتهم وحقهم في المشاركة والمحاسبة العادلة.
كما أن تحذير البرهان للدعم السريع من قصف الأبيض والدلنج يتناقض مع تلويحه بالقدرة على تدمير مناطق خصمه؛ فخطاب الردع الذي يلوح بتوسيع الدمار يترك المدنيين في الجانبين أسرى منطق الانتقام المتبادل.
ويظل السؤال الأهم في الأبيض: من يحمي السكان الآن، لا بعد انتهاء الحرب؟ فكل تأخير في وقف الهجمات على المناطق المدنية وتأمين المساعدات وتوثيق الضحايا يوسع دائرة الكارثة ويقرب المدينة من مصير مدن سودانية سبق أن تُركت وحدها.

