وثّقت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة وصول 9 شهداء و36 مصابًا إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، لترتفع حصيلة عدوان الاحتلال منذ أكتوبر 2023 إلى 73,431 شهيدًا و174,437 مصابًا، في ظل هدنةٍ لم توقف استهداف المدنيين.
ولا تختزل هذه الأرقام مأساة الغزيين في إحصاء يومي؛ فكل اسم جديد يعني أسرة فقدت فردًا، ونازحين يعيشون تحت الخيام بلا أمان، ومنظومة إسعاف تواجه الركام والنيران وطرقًا لا تصل إليها في وقتها.
حصيلة تتجاوز الأرقام
وأفادت الوزارة بأن شهداء الساعات الماضية بينهم 6 ضحايا جدد، وشهيدان فارقا الحياة متأثرين بجراحهما، إضافة إلى شهيد جرى انتشاله من بين الأنقاض، بما يكشف استمرار آثار القصف حتى بعد انقضاء لحظته المباشرة.
وارتفعت حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ وقف إطلاق النار، وفق بيان الوزارة، إلى 1,296 شهيدًا و4,296 مصابًا، إلى جانب انتشال جثامين 814 شهيدًا، وهي أرقام تنسف عمليًا معنى الهدنة الآمنة.
وتبقى الحصيلة التراكمية مرشحة للارتفاع، إذ أكدت الوزارة أن ضحايا لا يزالون تحت الركام أو ملقين في الطرقات، بينما تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب القصف والخطر الميداني.
وفي خان يونس، استشهد المواطن جمال سليمان مرجان متأثرًا بإصابته السابقة في قصف حي الأمل، فيما أعلنت مصادر محلية استشهاد المواطن رزق أبو شحمة متأثرًا بجراح أصيب بها في قصف إسرائيلي غربي المدينة.
وأصيب مواطنان بنيران الآليات الإسرائيلية في مدينة حمد شمالي خان يونس، بينما استهدفت الدبابات خيام النازحين بكثافة وأصابت النيران أبراجًا سكنية، لتتحول مناطق اللجوء من مأوى مؤقت إلى ساحة تهديد مفتوح.
وامتد إطلاق النار إلى شرق خان يونس وشمال غربيها، مع قنابل إنارة في شارع الطينة، فيما طال القصف المدفعي شمال مخيم البريج ومحيط جسر وادي غزة، وأطلقت الزوارق الحربية النار شمال غربي مدينة غزة.
وكانت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ضمن خبراء أمميين وصفوا في نوفمبر 2025 الهجمات الإسرائيلية المتواصلة بأنها انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار، لا مجرد حوادث متفرقة.
هدنة على الورق
بعد نحو 320 يومًا من الهدنة الموقعة في أكتوبر 2025، تبدو الوقائع الميدانية أبعد ما تكون عن وقف للقتال؛ إذ يستمر القصف وإطلاق النار والتهديد للمدنيين في مناطق يفترض أن تكون محمية.
فالهدنة لا تقاس بتبادل البيانات أو استمرار الاجتماعات بين الوسطاء، بل بقدرة الأسرة على النوم دون خوف، ووصول المصاب إلى مستشفى، وعدم تحوّل خيمة النازحين إلى هدف محتمل في أي ساعة.
وتقول إسرائيل إن ضرباتها تستهدف منع هجمات وشيكة أو مواقع تابعة لفصائل مسلحة، لكن هذه الرواية لا تعفيها من واجب حماية المدنيين والتحقيق الجاد في كل إصابة أو قتل يقع داخل المناطق المأهولة.
وأظهرت تقارير ميدانية حديثة مقتل أطفال ومدنيين في خيام ومنازل داخل القطاع، فيما لم تقدم السلطات الإسرائيلية تفسيرًا تفصيليًا لعدد من الوقائع أو نتائج تحقيقات مستقلة بشأنها، وهو ما يعمّق فجوة الثقة.
ويفرض القانون الدولي الإنساني التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لمنع الضرر؛ وهي قواعد لا تصبح اختيارية لمجرد ادعاء وجود هدف عسكري قريب.
وفي أغسطس 2025، كانت الدكتورة تلالينغ موفوكينغ، المقررة الخاصة المعنية بالحق في الصحة، بين خبراء أمميين وصفوا التدمير المنهجي للرعاية الصحية في غزة بأنه «إبادة طبية»، محذرين من آثار تتجاوز لحظة القصف.
ولا يستطيع مريض أو جريح في قطاع أنهكته الحرب فصل إصابته اليومية عن انهيار المستشفيات ونقص الدواء وتعطل الطرق؛ فاستمرار النار فوق هذا الواقع يحول النجاة إلى مسألة حظ لا حقًا مكفولًا.
وتقدّر منظمات إغاثية أن نحو 1.7 مليون فلسطيني ما زالوا يعيشون في مواقع نزوح، حيث الاكتظاظ وشح المياه والخدمات الأساسية، بما يجعل أي خرق عسكري جديد مضاعفًا للخسائر الإنسانية، لا واقعة معزولة.
المساءلة الغائبة
تكشف الحصيلة الجديدة أن المشكلة ليست في نقص البيانات، بل في غياب آلية دولية نافذة تفرض وقف الانتهاكات، وتحقق في الوقائع سريعًا، وتضمن ألا يتحول توثيق الضحايا إلى أرشيف متكرر بلا أثر.
ولا تكفي الوساطة السياسية إذا بقيت حياة المدنيين خارج شروط التنفيذ؛ فالضمان الحقيقي لأي اتفاق هو وقف النار فعليًا، وفتح الطرق أمام الإغاثة والإسعاف، ومحاسبة من يستهدف المدنيين أو يعرضهم للخطر.
وتزداد خطورة المشهد حين تُستهدف خيام النازحين أو مناطق سبق أن لجأ إليها السكان بحثًا عن الأمان، لأن ذلك يهدم ما تبقى من الثقة في أي تعليمات إخلاء أو وعود بالحماية الميدانية.
وتحذّر بولا غافيريا، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق النازحين داخليًا، في سياق رسائل خبراء أمميين منشورة خلال 2026، من أن ضرب المساكن ومواقع النزوح، بما فيها مناطق الإخلاء، يضاعف انتهاك حقوق المهجرين.
وتحتاج الوقائع اليومية إلى توثيق مستقل يحدد الزمان والمكان ونوع السلاح والهدف والخسائر، لا لتجريد الضحايا من إنسانيتهم داخل جداول الأرقام، بل لحماية الأدلة من الإنكار والطمس والإفلات من العقاب.
كما أن استمرار وجود جثامين تحت الركام يفضح عجزًا مضاعفًا: عجز فرق الإنقاذ عن الوصول بفعل الخطر، وعجز المجتمع الدولي عن توفير ممرات إنسانية فعالة تكفل انتشال الموتى وإنقاذ من قد يبقى حيًا.
وأخيرا فإن ارتفاع الحصيلة إلى 73,431 شهيدًا ليس رقمًا ختاميًا، بل شهادة على هدنة لم تنجح في حماية سكان غزة؛ وما لم تقترن بآلية رقابة ومساءلة ووصول إنساني آمن، ستظل اسمًا سياسيًا لحرب مستمرة.

