د. عصام تليمة

من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن

 

المتابع للأذرع الإعلامية والسياسية لنظام السيسي يلاحظ في الآونة الأخيرة قلقا ورعبا شديدا، فرأينا أصواتا تخرج تحذر من أي خروج مظاهرات، أو ثورة، وأن مصر وحالها الآن لا يتحمل أي ثورة ثالثة، معتبرين أن ثورة يناير هي الأولى، والثورة المضادة في الثلاثين من يونيو هي الثانية، وأن الثورة التي ستخرج على السيسي، ستكون ثالثة، وهي القاضية على ما تبقى من مصر.

 

كانت هذه التحذيرات والمخاوف من قبل مفهومة، في ظل غليان الشارع المصري، بعد الانقلاب العسكري في 2013م، وكانت هناك أصوات عاقلة، تتواصل مع كثيرين من الرافضين للانقلاب، أنه لا بد من الحوار واللقاء، وطرح حلول، لكن اليد الأمنية الباطشة التي تعامل بها النظام، جعل هذه الأصوات تخفت تماما.

 

ولم يعد هناك أي مظهر من مظاهر القلق والخوف على النظام في الشارع المصري، فالتظاهر الفردي والجماعي، معروف نتيجته، وكم في السجون والمعتقلات من شخصيات تظاهرت، سواء كانت مدنية أو غيرها، وآخر هؤلاء مواطن مصري وقف أمام مبنى التحرير، ولا يعلم أحد مكانه الآن!

 

لكن منذ أيام، بدأ خطاب لإعلاميين مقربين من النظام، لا يقدحون من زناد عقولهم، خرجوا يخوفون الناس، ويحذرونهم، من أي تفكير في التظاهر، أو الثورة على النظام، ولا نجد سببا منطقيا لهذا التخوف، ولا أي ذريعة له، ولو فكرنا بمنطق التفسير التآمري للأحداث، لقلنا: إنهم يفعلون ذلك لإعطاء ذريعة للنظام لاعتقال شريحة من المجتمع، أو توسيع دائرة الاعتقالات.

 

نعم منذ أيام قليلة جرى اعتقال بعض الشخصيات، سواء من أقارب معارضين خارج مصر، لكن لا علاقة لهذه الاعتقالات بما يخوف به إعلاميو النظام من الثورة، فهناك من رد سر هذه الاعتقالات لحركة التنقلات التي تجري كل فترة، وتكون في شهر يوليو أو أغسطس، ويريد كل شخص منقول لمكان جديد، أن يثبت نفسه ووجوده، عملا بالمثل المصري القائل: (الغربال الجديد له شدة)، وهذا يمكن أن يفسر بعض الحالات، لكنه لا يفسر حالات أخرى.

 

كاعتقال أقارب لمعارضين، يمكن تفسير سبب بعض هذه الحالات، لما يعتبر من باب التجاوز في في بعض شخصيات بالمعارضة، سواء كان ما يذكره المعارض صحيحا أم لا، وسواء كان التجاوز يرفضه المعارضون أو يقبله بعضهم، لكن هذا لا يمثل أكثر من بضع حالات تعد على أصابع اليد الواحدة.

 

هناك إعلاميون ومعارضون تم اعتقال أقاربهم، وهؤلاء مفهوم سر هذا الإجراء معهم، فهناك حالة مفهومة، وهي حالة الإعلامي محمد ناصر، فمنذ أسبوعين وإعلام الانقلاب مستمر يوميا في حملة إعلامية ضده، ومنذ سنوات تم التعامل الأمني مع أقارب له وإعلاميين آخرين، لكن الحملة الأخيرة على ناصر زاد سعارها، فلا يخلو يوم من خبر مفبرك، أو هجوم وتشنيع عليه، وهذا يفسره تناول ناصر لشخصيات كانت غير معروفة بأدوار في السياسة المصرية، كشريف فكري وآخرين.

 

كل هذه الأحداث وتأويلاتها، لا تفسر لنا سر الهلع الذي أصاب النظام مؤخرا، والذي يعبر عنه رموز إعلامه، ولا يوجد سبب منطقي لهذه المخاوف، فالرافضون للانقلاب بالخارج، ليس لهم جهد مقلق أو يخيف، من حيث الثورة على النظام، وآخر نشاط تم، كانت حملة حقوقية تتعلق بالمعتقلين، بمناسبة ذكرى فض رابعة العدوية، وكانت بتسليط الضوء على الشهداء وذويهم، وحالة المعتقلين، وهو نشاط حقوقي كما نرى لا يرقى لتهديد النظام في وجوده، بل يطمح إلى تخفيف القبضة الأمنية، والتعسف مع المعتقلين.

 

يصرخ به إعلاميو الانقلاب بالتخويف من أي ثورة، يشعر المتابع وكأن موعدا مضروبا لثورة في مصر لا نعلمها ولا يعلمها من سيقومون بها، بل زاد الهجوم بالتخويف من عودة الإخوان، وكأن الإخوان يستعدون للنزول غدا لحكم مصر، وقد كانت حملاتهم من قبل تهاجم الإخوان، ولا تشير أو تلمح لأي عمل ثوري، لكن هذه المرة التركيز والتحذير الدائم بشكل ينم عن توتر لدى السلطة، من ثورة قادمة، لا تعلم المعارضة أي سبب، ولا دلالة عليها، فقط يراها النظام، ولا يراها من يفترض أنه يخاف منهم لقيامهم بها!!

 

هل لدى هذه الأذرع معلومات؟ وما مصدرها؟ المعروف لكل راصد لأداء الأجهزة الأمنية، أنها باتت ضعيفة في أدائها بشريا ومعلوماتيا، ولم تعد كما كانت في عهد مبارك مثلا، وهي شهادة متكررة من معظم من كانوا في مصر وخرجوا منها، بأن مستوى الأداء الأمني للأجهزة دون المستوى.

 

وأن الذي يعوض هذا الضعف جهتان، الأولى: المعلومات التي تمدهم بها بعض السفارات الغربية في القاهرة، ولذلك شواهد في قضايا أمنية رصدتها هذه السفارات قبل الأجهزة. والجهة الثانية: دولة الإمارات، وذلك عن طريق الأجهزة المتطورة التي تمدهم بها، وذلك حفاظا على مكتسبات الإمارات في مصر، وخوفا من أي ثورة تطيح بمكتسباتها.

 

كنا نفهم تخوف النظام من قبل، من قِبَل بعض الدعوات، ويضخم منها، ويعطيها أكبر من حجمها، ومنها من كان مدفوعا من النظام نفسه، وهو ما اتضح في مصير بعض هذه الدعوات، والداعين إليها، وما رأيناه من دعوات المقاول محمد علي، لكن بعد هذه الدعوات لم تصدر دعوة، ولم يصدر عمل ينم عن تحرك يؤدي لثورة.

 

بل إن النظام نفسه وأذرعه، يستعد ويهيء الناس للسعي لتعديل الدستور، ليظل السيسي في الحكم مدى الحياة، وأطول مدة، ولا يوجد في الأجهزة ما يمنع السيسي من ذلك، لكن فجأة انتقل الحديث من تعديل الدستور، للتخويف من الثورة.

 

حاول المعنيون بالشأن المصري ممن أعرفهم، البحث عن سبب وراء التخويف من ثورة في مصر، ولا يوجد شيء مرئي يدل على ذلك، أو أي إرهاص يوحي به، سوى أنه معلومات لديهم، ودلائل نقلت إليهم فقط، ربما يسفر عنها قادم الأيام، وليس ذلك مستغربا أو مستبعدا على الشعب المصري، فهو يصمت حتى يظن الجميع أنه لا قيام له، ويهيج ويثور فجأة حتى تقول لن يهدأ حتى يصل لمبتغاه.