فرض جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة رسوما جديدة بنسبة 20% مقابل التوسط في تصدير الأرز من مصر للشركات المحلية، في خطوة تمنحه موردا ماليا إضافيا وتوسع سيطرته على بوابة تصدير محصول استراتيجي حتى نهاية 2027.
ويضع هذا التحول المصدرين والمزارعين أمام جهة واحدة تتحكم في الموافقات ومسار العملة الأجنبية، بينما تتراجع مساحة التفاوض المباشر للقطاع الخاص، بما يثير مخاوف من تحميل السوق تكلفة جديدة دون إعلان تفصيلي لقواعد الاحتساب والرقابة.
بوابة واحدة للتصدير
وفي المقابل، يأتي الرسم الجديد بعد قرارات سمحت للجهاز أو من يفوضه بتصدير ما يصل إلى 200 ألف طن من الأرز الأبيض، رغم استمرار القيود العامة على التصدير التي ارتبطت لسنوات بحماية المياه وتأمين السوق المحلية.
وبحسب ما نشرته تقارير محلية حديثة، تلقى الجهاز خمسة عروض من شركات مصرية لتصدير كميات تتراوح بين 7 و10 آلاف طن لكل شركة، بالتزامن مع مناقشات حول أسعار بيع خارجية تستهدف الاستفادة من جودة الأرز المصري.
ومع ذلك، لم يظهر في المصادر الرسمية المتاحة نص منشور يحدد نسبة 20% أو طريقة احتسابها، ما يجعل الرقم بحاجة إلى إفصاح مباشر من الجهاز أو الجهة الحكومية المختصة قبل اعتباره قاعدة تنظيمية مكتملة التفاصيل.
وعلى جانب آخر، تكشف وثائق وتعليمات جمركية سابقة أن خروج شحنات الأرز أصبح مشروطا بموافقة جهاز مستقبل مصر، استنادا إلى تكليفات رئاسية بقصر التصدير عليه وتوريد حصيلة العملة الأجنبية إلى البنك المركزي مقابل الجنيه.
وفي هذا السياق، قال مصطفى السلطيسي عضو شعبة الأرز بغرفة صناعة الحبوب إن توحيد جهة التصدير يمكن أن يحقق استقرارا للعمليات، مستندا إلى وجود فائض محلي وطلب خارجي على الأرز المصري في عدة أسواق إقليمية.
رغم ذلك، لا يحسم هذا الرأي سؤال الرسوم الجديدة، لأن نجاح تنظيم الصادرات لا يعني تلقائيا سلامة تحميل الشركات نسبة 20%، خصوصا إذا تحولت الموافقة الإدارية إلى تكلفة ثابتة تلتهم جزءا من هامش المصدرين.
ومن زاوية أخرى، فإن السعر النهائي للشحنة المصرية لا يتحدد بجودة المحصول وحدها، بل يتأثر أيضا برسوم الوساطة والنقل والتأمين والتمويل، وكل زيادة غير محسوبة قد تدفع المستوردين إلى بدائل آسيوية أقل كلفة.
وبالتالي، يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كان الجهاز يقدم خدمة تجارية قابلة للمقارنة بأسعار السوق، أم يمارس سلطة تنظيمية تمنحها الدولة ثم يحصل في الوقت نفسه على مقابل مالي من الشركات الخاضعة لهذه السلطة.
كما أن هذا التداخل بين المنظم والوسيط يفرض ضرورة إعلان قواعد واضحة لتحديد النسبة وأوجه إنفاقها، لأن غياب التفاصيل يفتح بابا واسعا للشكوك حول عدالة المنافسة وتكافؤ الفرص بين الشركات القادرة والصغيرة.
ولزيادة وضوح الصورة، فإن تقارير سابقة تحدثت عن سداد 150 دولارا للطن لشركة أبناء سيناء مقابل التصدير تحت اسمها خلال مرحلة سابقة، وليس لجهاز مستقبل مصر، وهو فارق ضروري لفهم انتقال السيطرة بين الكيانات.
كلفة تهدد المنافسة
ومن ثم، يبدو أن السوق لم ينتقل من حرية كاملة إلى تنظيم مركزي فقط، بل من بوابة استثنائية مرتبطة بجهة خاصة نافذة إلى بوابة رسمية يحتكرها جهاز يتبع رئيس الجمهورية ويتمتع بصلاحيات مالية وإدارية واسعة.
غير أن هذا الانتقال لا يبدد مشكلة الاحتكار، لأن جوهرها يتعلق بمن يملك قرار السماح بالتصدير ومن يحدد تكلفته، بينما يظل المصدر العادي مضطرا إلى المرور عبر المسار الذي تحدده جهة واحدة قبل وصول السلعة إلى الخارج.
وعلاوة على ذلك، يواجه الأرز المصري سوقا عالمية شديدة الحساسية للأسعار، وقد أظهرت تجارب سابقة أن فرض رسوم مرتفعة على الصادرات يضعف القدرة التنافسية ويدفع المشترين إلى التحول نحو موردين آخرين عند اتساع الفارق السعري.
وفي قراءة اقتصادية، يوضح محمد فؤاد الخبير الاقتصادي أن الدور الأصلي للجهاز في السلع الاستراتيجية كان يستهدف تأمين الإمدادات ولا يشترط تحقيق الربح، وهو ما يجعل أي رسوم جديدة بحاجة إلى تبرير معلن يفسر أساسها ووظيفتها.
وبناء على ذلك، فإن تحول الجهاز من أداة لتأمين السلع إلى جهة تحصل على نسبة من عمليات التصدير يثير سؤالا مباشرا حول طبيعة النشاط، وهل يجري التعامل معه كمرفق عام أم كوسيط تجاري أم كليهما معا.
وفي الوقت نفسه، أقر قانون إعادة تنظيم الجهاز في يوليو 2026 بأنه جهاز قومي ذو طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية ويتمتع باستقلال فني ومالي وإداري، مع صلاحيات واسعة في الاستثمار وإدارة الأصول وتأسيس الكيانات التابعة.
وبموازاة ذلك، وسع القانون مجالات عمل الجهاز إلى قطاعات تتجاوز الزراعة والغذاء، وهو ما يضاعف أهمية الرقابة على موارده ورسومه، لأن المؤسسة التي تجمع بين الأراضي والتجارة والخدمات والتمويل تصبح مؤثرة في مساحات واسعة.
نفوذ يتجاوز الزراعة
ومن ناحية أخرى، انتقلت تبعية الجهاز رسميا من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية، لكن هذا التحول القانوني لا يمحو جذوره العسكرية ولا يبدد أسئلة المنافسة، خصوصا مع انتقال مشروعات وأصول كانت تديرها جهات عسكرية إلى مظلته.
ولهذا، يرى الباحث يزيد صايغ أن صعود جهاز مستقبل مصر يعكس دعما رئاسيا قويا، مشيرا إلى انتقاله من استصلاح الأراضي إلى شراء السلع الأساسية والسيطرة الحصرية على صادرات الأرز وتوسيع حضوره في قطاعات اقتصادية متعددة.
وفوق ذلك، يشير صايغ إلى أن الجهاز أصبح أحد أركان منظومة الأمن الغذائي، بعد توليه مسؤوليات شراء سلع أساسية والاستحواذ على حصة أغلبية في بورصة السلع، بما يمنحه تأثيرا ممتدا من الإنتاج إلى التجارة والتوزيع.
وفي ضوء ذلك، لا تبدو رسوم الأرز واقعة منفصلة، بل حلقة جديدة في مسار بناء مركز اقتصادي شديد الاتساع يملك قدرة على إدارة الأصول ومنح الموافقات والدخول كشريك أو وسيط في أسواق كانت تتوزع بين وزارات وشركات.
وعلى المستوى الاجتماعي، فإن أي خلل في إدارة صادرات الأرز لا يتوقف عند أرباح الشركات، لأن المحصول سلعة أساسية للملايين، وأي اندفاع نحو التصدير أو تسعير غير منضبط يمكن أن ينعكس على المعروض المحلي والأسعار.
وبالمثل، فإن المزارع يظل الطرف الأقل قدرة على التأثير في هذه المنظومة، رغم أنه يتحمل تكلفة الزراعة والمياه والأسمدة والعمل، بينما تنتقل سلطة التسويق والتصدير إلى مؤسسات أكبر تحدد شروط النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
أما من جهة الشفافية، فإن التوسع في صلاحيات الجهاز يجعل نشر الحسابات وقواعد الرسوم والعقود ضرورة لا ترفا، لأن الحديث عن حماية الأمن الغذائي يفقد معناه إذا ظلت آليات تحصيل الأموال وتوزيع العوائد بعيدة عن الجمهور.
وفي المحصلة، تكشف رسوم 20% المنسوبة إلى جهاز مستقبل مصر أن القضية تتجاوز تصدير 200 ألف طن، لتصل إلى شكل إدارة الاقتصاد نفسه، وحدود الدور الذي يمكن أن تحتكره جهة واحدة في سوق يفترض أنه تنافسي.
وأخيرا، يبقى الاختبار الحقيقي في إعلان الأساس القانوني للرسم وتفاصيل احتسابه وحصيلة ما يجمعه الجهاز، مع فتح التصدير أمام قواعد متساوية وقابلة للمراجعة، وإلا ستظل عبارة تنظيم السوق غطاء واسعا لهيمنة تتوسع بلا حدود واضحة.

