د. سعيد الحاج
باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية
احتفل حزب العدالة والتنمية في تركيا قبل أيام بمرور 25 سنة، ربع قرن بالكمال والتمام، على تأسيسه الذي كان في الـ14 من أغسطس 2001، والذي استلم حكم تركيا بعده مباشرة في أول انتخابات خاضها (نوفمبر 2002) وبقي حتى يومنا هذا.
وهي مدة زمنية طويلة جدًا، بقيادة الرئيس أردوغان، أطول بكثير من أي حاكم آخر بمن فيهم مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وأي حزب آخر، وفي المقدمة الشعب الجمهوري إذا ما استثنينا حقبة حكم الحزب الواحد قبل التعددية الحزبية.
كما أن ربع القرن شهد نقلات نوعية لتركيا بقيادة الحزب في مختلف المجالات، وبشكل أكثر وضوحًا في السياسة الخارجية والنفوذ الإقليمي والصناعات الدفاعية وتفكيك أنظمة الوصاية في الداخل. ولذلك، فقد أعدَّ الحزب احتفالًا أضخم هذا العام، يليق بمناسبة "مرور ربع قرن" على تأسيسه، وبأنشطة وفعاليات متعددة ومنوعة.
الأهم أن احتفال الحزب بذكرى تأسيسه هذا العام قد تزامن وترافق مع سياقات داخلية وخارجية تعطي صورة غير مسبوقة من القوة الظاهرة، داخليًا وخارجيًا. فقد تزامنت الذكرى مع أزمة كبرى يمر بها حزب المعارضة الأكبر، الشعب الجمهوري، الذي عانى انشقاقًا عموديًا بقيادة رئيسه السابق (المبعد عن رئاسة الحزب بقرار قضائي) أوزغور أوزال الذي أسس "الحزب الجديد". وتزامن، من جهة ثانية، مع إعلان رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو -الرئيس الأسبق للعدالة والتنمية نفسه- فسخ حزبه "المستقبل" واعتزال "السياسة الحزبية"، مع منشور مطوّل يوجّه فيه انتقادات لاذعة للأوضاع السياسية في البلاد، لكنه بالتأكيد يعلن فشله في المنافسة فضلًا عن الفوز.
مضافًا لهذا وذاك، فقد شهدت الفترة الماضية استقالة عدة نواب برلمانيين من أحزابهم وانضمامهم لحزب العدالة والتنمية، الذي أصبح عدد نوابه في البرلمان 280 نائبًا، مقارنة مع 268 هي نتيجته في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فضلًا عن انضمام عدد من رؤساء البلديات له كذلك.
وقبل كل ذلك، فقد عززَّ تطوران مهمان من حضور الحزب وحظوظ أردوغان، أولهما سقوط نظام الأسد والعلاقات الاستراتيجية المتنامية بين البلدين بعده، وثانيهما مسار حل المسألة الكردية تحت عنوان "مشروع تركيا بلا إرهاب"؛ الذي شمل وقف عمليات حزب العمال الكردستاني وإعلانه حل نفسه وانتهاج العمل السياسي، بما يغلق أخطر ملف أمني في البلاد كان سببًا لاستنزاف البلاد أمنيًا وعسكريًا وبشريًا واقتصاديًا واجتماعيًا فضلًا عن تسببه بضغوط خارجية على تركيا.
وفق كل ما سبق، يصل حزب العدالة والتنمية اليوم إلى صورة من ذروة القوة الداخلية، ما يفتح له فرصة غير مسبوقة بإمكانية صياغة دستور جديد للبلاد أو تمرير تعديل دستوري من البرلمان على الاستفتاء الشعبي، إذا ما أضفنا لعدد نوابه نواب حليفه حزب الحركة القومية، وكذلك حزب ديمقراطية ومساواة الشعوب "الكردي" الذي يلتقي مع العدالة والتنمية اليوم على هدف إنهاء الإرهاب وحل المسألة الكردية وإقرار إصلاحات وتعديلات دستورية (فضلًا عن آخرين). وهو، الدستور الجديد أو التعديل الدستوري، الذي يمكن أن يفتح الباب على إعادة ترشح أردوغان للانتخابات الرئاسية مجددًا، إما بهذا السيناريو أو عبر دعوة البرلمان لتبكير الانتخابات وفق الحسابات ذاتها.
هذه ذروة من القوة والهيمنة على الحياة السياسية التركية لا يمكن التقليل منها، بل لعلها غير مسبوقة، ولكن لماذا أقول "القوة الظاهرة"؟
لأن مظاهر القوة والحضور والهيمنة والإنجازات ليست وحيدة في المشهد، بل هناك ثغرات وتحديات قائمة، وهناك انتقادات عديدة توجه للحزب من معارضيه ومنافسيه اليوم، وأحيانًا من بعض أنصاره.
ففي المقام الأول، ثمة انتقاد لتفرد الرئيس أردوغان بقيادة الحزب والدولة، وخصوصًا أن معظم القيادات المؤسِّسة للحزب ولا سيما الرئيسة منها باتت خارج أطره، وفي مقدمتها الرئيس الأسبق عبد الله غل ورئيس البرلمان والحكومة الأسبق بولند أرينتش، فضلًا عن وزراء بارزين في مقدمتهم أحمد داود أوغلو وعلي باباجان اللذَين أصبحا في عداد المعارضة، وغيرهم الكثير. أرينتش كان قد انتقد الفيديوهات الدعائية للحزب في احتفال الذكرى التي قال إنها "تظهر السيد رجب طيب أردوغان وحده منذ البداية للنهاية، وكأنه لم يكن هناك غيره"، محذرًا "لا يمكنكم عكس التاريخ".
بالمثل، فإن هيمنة حزب العدالة والتنمية على الحياة السياسية في البلاد لـ24 عامًا متواصلة هي مثار انتقاد واسع من المعارضة، من باب أن هذه المدة الطويلة من بقاء الحزب نفسه في سدة الحكم أتت عليه مع الوقت -إلى جانب الإنجازات- بالترهل وتراجع الأداء والفساد. كما أن هذه الهيمنة الواضحة على المشهد السياسي والإعلامي في تركيا تثير تساؤلات وقلقًا على الحريات السياسية في البلاد وفق معارضي الحزب، ومن الأمثلة على ذلك انتقادات وتحذيرات ونصائح داود أوغلو في منشوره المطوّل لدى إعلانه حل حزبه.
وأخيرًا، فإن الملف الأكثر تأثيرًا في حياة المواطنين، والمقصود به الاقتصاد، لم يصل بعد لحالة مستقرة أو علاج دائم لمشاكله، لا سيما وأن المنطقة دخلت في السنوات الأخيرة في حالة من الحروب والتصعيد وعدم الاستقرار، وهو ما يؤثر سلبًا على الاقتصاد التركي المعتمد إلى حد كبير على الاستثمارات الخارجية والأموال الساخنة المرتبطة عادة بحالة الاستقرار، الأمر الذي يدفع الحكومة بشكل متكرر لتعديل توقعاتها الإيجابية لأخرى أقل منها بخصوص مؤشرات الاقتصاد المختلفة.
أيضًا فإن مصير المعارضة ليس واضح المعالم، وعلى وجه التحديد فإن الانشقاق في حزب الشعب الجمهوري قد كبّله بحالة من الفوضى والصراع الداخلي، ما يفيد أردوغان والعدالة والتنمية بالتأكيد مرحليًا. أما مآله على المدى البعيد فلا يمكن الجزم به، واستفادة الحزب المعارض -بشقّيه أو باحتمال عودته حزبًا واحدًا- من هذه الحالة وزيادة حضور تياره وأفكاره على المدى البعيد؛ أحد أهم السيناريوهات المحتملة.
أخيرًا وليس آخرًا، فإن مشهد القوة الحزبية الحالي حقيقي في معظمه ولكنه مصطنع في جزء منه، وتحديدًا ما يتعلق بالاستقالات والانضمام له، فهذا أمر قائم حاليًا ولكنه لا يعكس بالضرورة حضور الحزب الشعبي ورصيده الانتخابي، فضلًا عن أنه لا يصلح لتوقع نتيجة الحزب في أي انتخابات تشريعية قادمة.
في المحصلة، فإن حزب العدالة والتنمية ما زال يمثل ظاهرة متفردة في الحياة السياسية التركية، ويبدو أنه سيبقى في المدى المنظور رقمًا صعبًا في المشهد التركي، وتحديدًا فيما يتعلق بقيادة أردوغان للحزب وتركيا، بيد أن مشهد القوة الكبيرة الحالي "ظاهري" و"سياقي" في جزء منه، وإن كان الجزء الأكبر منه حقيقيًا وراسخًا، ما يعني أنه مفتوح على إمكانية التغيير ولو نسبيًا في المستقبل من المنظور السياسي فضلًا عن الانتخابي.

