يخوض عمال المزارع في وادي الملاك بمحافظة الشرقية معركة يومية لتوفير الخبز وشراء أسطوانات الغاز ودفع تكاليف التعليم والعلاج، وسط غياب الأراضي والمدارس والمستشفيات والطرق ووسائل النقل الآمنة، إلى جانب نقص مياه الشرب وغياب شبكات الصرف الصحي والعمل المستقر الذي يضمن الحد الأدنى من المعيشة.

 

ويرصد أحمد عشماوي وهيثم جبر واقع هؤلاء العمال، الذين يضطرون إلى المخاطرة بحياتهم يوميًا بحثًا عن أجر يسد احتياجات أسرهم.


ويكشف تحقيق مدى مصر أن عمال وادي الملاك يواصلون التوجه إلى المزارع رغم ظروفهم المعيشية القاسية، إذ يستقل عشرات الرجال والشبان والأطفال سيارات النقل المكشوفة، التي يطلق عليها الأهالي اسم «الدبابة»، مع أول ضوء للفجر، ويسلكون طرقًا خطرة للوصول إلى المزارع الكبيرة داخل القرية أو في الإسماعيلية، بحثًا عن دخل يكفيهم لمواصلة الحياة.


طريق الموت ينقل العمال إلى المزارع


حين يعود أبناء هذه القرى من «ساحة المعركة» جثامين بدلًا من أن يحملوا معهم القليل الذي خرجوا بحثًا عنه، لا تقتصر المأساة على فقدان الأحباء، بل تتحول إلى هزيمة كاملة قد تحتاج الأسرة سنوات لتجاوزها.


برزت هذه المأساة في عزبة الداودية، إحدى عشرات العزب التابعة لوادي الملاك، بعد حادث تصادم وقع قبل أيام بين سيارتي نقل كانتا تقلان عمالًا إلى المزارع.


فقد اصطدمت «دبابة» تقل عددًا من أبناء الداودية إلى مزارع المانجو التابعة لشركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة في منطقة أبو سلطان بالإسماعيلية، بسيارة أخرى قادمة من الاتجاه المقابل من قرية بحر البقر، وكانت تقل فتيانًا وفتيات إلى مزارع أخرى في المنطقة نفسها. وأسفر التصادم عن وفاة 19 شخصًا، بينهم أحد أبناء الداودية الذي فارق الحياة متأثرًا بإصاباته يوم السبت، وفقًا لشهادات الأهالي، فيما أصيب 29 آخرون.


وبلغ إجمالي ضحايا الداودية 12 شابًا وطفلًا، بينما أصيب ستة آخرون، بعضهم في حالة حرجة.


«عايزين نروح العزاء»، قالها أحد المرافقين لسائق «الدبابة»، وهي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى عزب القرية.


وسأل السائق: «عزاء مين؟ اللي في أبو غزباوي ولا أبو عجوة ولا شِلْح؟ في كل واحدة فيه واحد أو اتنين ماتوا. العزاء الجماعي كان الأربعاء، المحافظ جه وكل الكبار».


وبحسب سكان المنطقة، فقدت الداودية أكبر عدد من أبنائها في الحادث، بواقع ثمانية قتلى وستة مصابين.


وتسير «الدبابة» عبر طريق مرصوف جزئيًا لا يزيد عرضه على أربعة أمتار، ويمتد بين ترعتين من دون أعمدة إنارة. وتدفع المطبات والحفر ركاب السيارة إلى التشبث بقضبانها المعدنية طوال الرحلة.


ولا يقتصر عمل عمال اليومية في وادي الملاك على موسم المانجو خلال الصيف. فعلى مدار العام، يقطفون الفاكهة في مزارع الحمضيات الكبيرة المحيطة بهم، أو يعملون في فرز وتعبئة المحاصيل بمحطات التصدير في البحيرة والإسكندرية، بحسب سكان المنطقة. وتنقل السيارات النقل المكشوفة نفسها العمال إلى تلك المزارع والمحطات.


كانت معظم الأراضي في وادي الملاك مملوكة لشركة العربية لاستصلاح الأراضي، التي تأسست في ستينيات القرن الماضي. وأطلق عمال المزارع عليها اسم «الشركة اليوغوسلافية»، بعدما استعانت بخبراء ومعدات من يوغوسلافيا لاستصلاح الأراضي الصحراوية.


ويستعيد رجل سبعيني من الملاك ذكرياته قائلًا: «وأنا صغير كنت بشتغل أجير يومية في الشركة، وكنت باخد ربع جنيه. وفي التسعينيات صحينا في يوم لقيناهم بايعين مساحات كبيرة من الأرض لرجال أعمال. مش عارفين إزاي. وإحنا أهل المكان، ماخدناش حتى قيراط واحد من الأرض».


وتتصاعد شكاوى النساء في المنطقة من وفاة الشباب أثناء بحثهم عن قوت يومهم، ومن ارتفاع الأسعار وغياب الخدمات، فيما يشير الأهالي إلى أن الطريق ظل على حاله لسنوات رغم تكرار الحوادث عليه.


وطالب السكان مرارًا باستكمال رصف الطريق وتغطية إحدى الترعتين لتوسيعه، لكن الاستجابة لم تأتِ إلا الأربعاء، حين أضافت الوحدة المحلية طبقة من الرمال إلى الطريق لتسهيل وصول السيارات التي تقل المسؤولين إلى موقع العزاء الجماعي.


وتنتشر مواقع العزاء على جانبي الطريق، إذ تشير شهادات الأهالي إلى سقوط قتلى في كل عزبة تقريبًا.


وعند مدخل الداودية، ظل نعش أحد الضحايا في انتظار إعادته إلى المسجد عقب انتهاء مراسم الجنازة.


وفي سرادق عزاء أحمد ويوسف، ابني عبد الكريم سليم، العامل الزراعي باليومية، تجمعت وجوه أثقلها الحزن والإرهاق.


حصل أحمد على شهادة الثانوية العامة هذا العام، وكان ينتظر نتيجة تنسيق الجامعات لمعرفة ما إذا كان سيلتحق بكلية التجارة، بحسب والده. وقرر الشاب العمل خلال الإجازة الصيفية للمساهمة في مصاريف الجامعة، فقبل عرضًا من مقاول للعمل في قطف المانجو بأبو سلطان.


أما يوسف، البالغ من العمر 16 عامًا، فاعتاد العمل حتى أثناء الدراسة، وكان يحصل على 150 أو 200 جنيه يوميًا لمساعدة أسرته في نفقات المعيشة، بحسب والده. ولم تكن دراسته للحصول على دبلوم تجاري تتطلب حضوره المنتظم إلى المدرسة.


وتغلبت الدموع على سليم، بينما أوضح أحد الحاضرين أن الأب لم يعد لديه سوى إبراهيم، البالغ من العمر 14 عامًا، ليتولى رعايته بمفرده بعد وفاة والدته منذ فترة.


وبجوار سليم جلس شقيقه الأصغر عادل، وهو عامل باليومية أيضًا. وأصيب ابنه الأكبر، البالغ من العمر 19 عامًا، بجروح خطيرة في الحادث، ويخضع للعلاج في العناية المركزة.


يقول عادل: «كان بيساعدني في مصاريف المعيشة. قدمت على معاش تكافل وكرامة من 3 سنين، لكن الطلب اترفض رغم إني قدمت كل الورق اللي يثبت إني ماعنديش حاجة. قالولي في التضامن: إنت فوق خط الفقر».


كما تقدم عادل إلى مديرية العمل في أبو حماد للحصول على المنحة الحكومية للعمالة غير المنتظمة، لكن الموظفين أخبروه بأن صاحب العمل يجب أن يسجله حتى يُدرج اسمه ضمن المستحقين للمنحة.


ويقول: «حتى بطاقات التموين وقفوا الدعم عن ناس كتير في العزبة. هنعيش إزاي؟».


أطفال يعملون وأسر تدفع ثمن الفقر


بين الحاضرين أحمد، وهو طالب في المرحلة الإعدادية وابن عم الشقيقين اللذين لقيا مصرعهما، وقد نجا من الحادث بمحض الصدفة.


كان من المفترض أن يستقل السيارة نفسها مع نحو 20 شخصًا آخرين، لكنه تشاجر مع أحدهم، فاستقل سيارة أخرى.


وشاهد أحمد من السيارة الثانية لحظة انفجار إطار السيارة الأولى أمامه بالقرب من منطقة الداواويس في الإسماعيلية. وانحرفت السيارة عن مسارها في اللحظة نفسها التي كانت فيها سيارة بحر البقر تقترب منها بسرعة، فقُذف جميع الركاب في السيارتين إلى الهواء وسقطوا على الأسفلت.


ووصلت سيارات الإسعاف بعد نحو نصف ساعة، ونقلت المصابين إلى مستشفى القصاصين المركزي في الإسماعيلية. وبحلول المساء، تجمع آلاف السكان من الملاك وبحر البقر أمام المستشفى. ومع إحاطة سيارات قوات الأمن المركزي بالتجمع، أحضر سكان القصاصين الطعام والمياه وقدموا التعازي، بحسب أحد سكان الداودية الذين كانوا موجودين في المستشفى.


ويسارع المشيعون في سرادق العزاء إلى الدفاع عن سائق السيارة، عم سيد، الذي يعمل أيضًا مقاولًا للعمال. ويقولون إنه سلم نفسه للشرطة رغم إصابته. وأفادت النيابة بأنها لم تتمكن من استجوابه أو استجواب السائق الآخر وعدد من المصابين «بسبب حالتهم الصحية».


ويلقي المشيعون باللوم على تدهور حالة طريق الداواويس، الذي يمتد من طريق قرية الملاك.


ويبلغ عرض طريق الداواويس نحو ستة أمتار، وهو مرصوف بالأسفلت لكنه مليء بالحفر والمطبات. وتسير السيارات في الاتجاهين عبر مسارين ضيقين يفصل بينهما خط أبيض، بحسب السكان. ويشير الأهالي إلى تكرار الحوادث المميتة على الطريق، وهي حوادث وثقها تقرير صادر عن مركز الخدمات النقابية والعمالية عقب الحادث الأخير.


وعند طرح مسألة عودة إبراهيم إلى العمل في المزارع، تتباين آراء الحاضرين بين من يرى أن الحادث كافٍ لمنع أبناء المنطقة من العودة، ومن يؤكد أن الظروف الاقتصادية ستدفعهم إليها مجددًا.


يقول أحدهم: «لا. بعد اللي حصل ده، ولا واحد من ولادنا هيرجع».


لكن رجلًا سبق له العمل مقاولًا للعمال يخالفه الرأي: «هيرجعوا. بقولك هيرجعوا. مين هيقعد من غير شغل؟ لازم تروح الشغل عشان تبقى راجل. لو ماخرجش يشتغل هيبوظ. طب لو جرالي حاجة بكرة الصبح؟ مش المفروض ابني يبقى راجل، يصرف على نفسه ويسند أبوه؟ معلش، إحنا مش هنبقى دكاترة. لازم نعود الولاد على الشغل، وإلا هيبقوا كسالى».


وفجأة ينهض أحد الحاضرين ويصرخ: «لا، هيرجعوا تاني، وتالت، ورابع. عشان لو مارحوش، مش هيلاقوا ياكلوا. هتجيب منين الـ350 جنيه بتوع أنبوبة الغاز؟ دي يومين شغل. ورغيف العيش اللي بقى بجنيه ونص... وغيره وغيره».


ثم يجلس ويضع يده التي كان يرفعها مرتجفًا من شدة الغضب على الأرض أمام منزل سليم.


يسأل: «عارفين إحنا قاعدين على إيه دلوقتي؟ دي بيارة صرف صحي. لازم تتفضى كل 15 يوم، وبتكلف حوالي ألف أو ألف وخمسمية جنيه. عشان كده الولاد كانوا بيشتغلوا. وتقول لي مش هيرجعوا؟ يا راجل، يلعن...».


ويعود الغضب إلى صوته وهو يتحدث عن المسؤولين الذين حضروا العزاء الجماعي: «الباشوات اللي جم العزاء الجماعي امبارح، اللي المحافظة صرفت عليه مليون جنيه، جم محاطين بحراسة عشان ما نعرفش نقرب منهم.

 

فرشوا الأرض رمل وجابوا مطبخ مخصوص يطبخلهم لحمة وفراخ وطبيخ. والناس اللي ولادها ماتت، واللي ماكلتش بقالها يومين، ما شافتش حاجة. لكن وقت الانتخابات...».


ويكشف أحد الحاضرين أن غضب الرجل يرتبط أيضًا بوفاة والدته قبل بضعة أشهر، بعدما عجز عن نقلها إلى أقرب مستشفى في أبو حماد، الذي يبعد نحو 20 كيلومترًا عن القرية.


ويقول: «رفضوا يبعتوا إسعاف وقالوا الطريق حالته وحشة قوي. والوحدة الصحية في القرية ما بتقدمش خدمة. وفي الآخر ماتت. الوضع هنا صعب جدًا».


قرى بلا خدمات والعمل يصبح شرطًا للبقاء


تتوالى شكاوى السكان من غياب الخدمات العامة، بدءًا من الطرق ووصولًا إلى مياه الشرب والكهرباء والصحة والتعليم.


وضاق الطريق الذي يربط بين العزب مع مرور الوقت بعدما قطعت الوحدة المحلية الأشجار الموجودة على جانبيه، ما جعله أكثر عرضة للتآكل بفعل الترعتين المحيطتين به.


وتتكرر انقطاعات مياه الشرب، خصوصًا خلال أشهر الصيف، فضلًا عن تدني جودتها.


ولا تتوقف مشكلات القرية عند مياه الشرب، التي تعاني منها مناطق ريفية مختلفة في مصر، بل تمتد إلى أزمة مركبة في الكهرباء. وخلال الصيف، تستمر انقطاعات التيار ساعة أو ساعتين، لتصبح جزءًا من الروتين اليومي. وعندما تعود الكهرباء، يتذبذب التيار بما يؤدي إلى تلف الأجهزة المنزلية وأحيانًا نشوب الحرائق، بحسب أحد السكان.


ويقول أحد الأهالي: «ولو حصلت حريقة، مفيش نقطة مطافي هنا. لحد ما يجوا من أبو حماد، يا البيت يكون راح، يا إحنا نكون طفيناها بنفسنا».


أما التعليم، فيوضح عاطف عبد الله، أحد سكان الداودية: «عندنا 65 عزبة، وفيهم خمس مدارس ابتدائي ومدرستين إعدادي بس. مفيش مدرسة ثانوي عام ولا فني واحدة. أقرب مدرسة ثانوي في أبو حماد».


ويضيف: «تخيل الولاد والبنات يصحوا كل يوم الصبح، في عز البرد، ويركبوا الدبابة عشان يروحوا المدرسة. هل ده مقبول عند أي حد؟».


وفي منزل محمد سعيد، تتواصل آثار الحادث داخل الأسر؛ فقد فقد الأب ابنه مصطفى، البالغ من العمر 18 عامًا، بينما يرقد ابناه الآخران، أحمد، 22 عامًا، وسعيد، 20 عامًا، في المستشفى لتلقي العلاج من إصابات خطيرة.


ويعجز الأب عن الحديث، بينما يكشف منزل مجاور مأساة أخرى؛ إذ يقول أحد الأهالي: «ده بيت الحاج خالد أحمد. ابنه محمد، 24 سنة، كان متجوز بقاله سنة. مراته حامل في الشهر السابع. محمد مات في الحادث».


في وادي الملاك، لا يبدو العمل خيارًا أمام الأسر بقدر ما يمثل شرطًا للبقاء. يخرج الرجال والشبان والأطفال مع الفجر إلى المزارع، عبر طرق لا تضيئها مصابيح ولا تحميها خدمات أساسية، ثم يعود بعضهم في نعوش بدلًا من العودة بأجر يومهم.


ومع ذلك، لا تتوقف المأساة عند الحادث وحده، بل تطرح سؤالًا أكثر قسوة: كيف يمكن لعمال وادي الملاك التوقف عن العمل، بينما لا يملكون مصدرًا آخر للعيش؟ فبالنسبة إلى كثير من الأسر، لا تمثل العودة إلى المزارع مخاطرة يمكن رفضها، وإنما ضرورة اقتصادية لا تترك لهم مجالًا للاختيار.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/08/15/feature/politics/theyll-go-a-second-time-a-third-a-fourth-the-battlefield-wadi-al-mollaks-farm-laborers-cant-but-return-to/