نتقد عالم الفضاء المصري عصام حجي الصورة الشائعة عن «المواطن الصالح» في الخارج، معتبرًا أن الاستقرار المهني والمادي في الولايات المتحدة أو أوروبا لا يكفي لصناعة مواطن واعٍ، خصوصًا عندما يتحول النجاح الفردي إلى وسيلة للهروب من أزمات الوطن وتجاهل ما يتعرض له المصريون من قمع وظلم وتدهور إنساني. 

 

وروى حجي جانبًا من تجربته الشخصية وتحول موقفه من الابتعاد عن الشأن العام إلى الاقتناع بأن العلم يفقد معناه الأخلاقي إذا انفصل عن الدفاع عن الحقيقة والإنسان.

 

 

وهم الاستقرار بعيدًا عن الوطن

 

قال حجي إن بعض المصريين المقيمين في الخارج يختصرون مفهوم النجاح في الحصول على وظيفة جيدة ومرتب مرتفع وحياة أسرية مستقرة، ثم العودة خلال العطلات الصيفية لقضاء الوقت في المنتجعات الساحلية والتقاط الصور بجوار السيارات والمنازل الفاخرة.

 

وأوضح أن هذه الصورة اللامعة قد تخفي عزلة كاملة عن حقيقة الأوضاع داخل مصر، حيث ينشغل المغترب بإظهار تفاصيل حياته المريحة بينما يتجنب الحديث عن المعتقلين والانتهاكات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تحاصر ملايين المواطنين.

 

وبحسب رؤيته، لا تكمن المشكلة في أن ينجح الإنسان أو يحسن ظروف معيشته، وإنما في أن يتحول هذا النجاح إلى غطاء للسطحية واللامبالاة، وأن يتعامل المغترب مع وطنه باعتباره مكانًا للإجازة والذكريات فقط دون مسؤولية تجاه ما يجري فيه.

 

واستعاد حجي مرحلة من حياته كان يعتقد خلالها أن الابتعاد عن الشأن العام والتركيز على العمل العلمي يمثلان الاختيار الأكثر عقلانية وأمانًا، قبل أن يكتشف أن تجاهل الظلم لا يمنح الإنسان حيادًا حقيقيًا بل يجعله جزءًا من الصمت المحيط به.

 

وأشار إلى أن الافتخار بالهروب من الواقع تحول لديه مع مرور الوقت إلى شعور مخزٍ، بعدما أدرك أن الوطن الذي يحتفظ به المغترب في ذاكرته ومشاعره قد يكون مختلفًا تمامًا عن الدولة التي تديرها السلطة وتفرض فيها روايتها بالقوة.

 

وأكد أن الاقتراب من التفاصيل ومراجعة الروايات الرسمية كشفا له حجم الفجوة بين الخطاب الذي تقدمه السلطة وبين حياة المواطنين، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالمعتقلين والمعارضين والطلاب الذين تعرضوا للملاحقة بسبب نشاطهم أو آرائهم.

 

https://www.facebook.com/reel/1556574085310914?locale=ar_AR

 

روايات السلطة تسقط بالوقائع

 

تحدث حجي عن مرحلة صدّق فيها ما كانت تروجه السلطة بشأن معارضيها واتهامهم بالإرهاب وتهديد الدولة، لكنه قال إن التعمق في الوقائع قاده إلى اكتشاف أن جزءًا كبيرًا من هذه الروايات قام على الأكاذيب والتلفيق المنظم.

 

واعتبر أن ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد خلاف بشأن إدارة الحكم، بل عملية واسعة لإعادة تشكيل وعي المواطنين ودفعهم إلى تصديق رواية واحدة مع تخويفهم من كل صوت مختلف أو محاولة مستقلة لطرح الأسئلة.

 

واستحضر في هذا السياق واقعة جهاز علاج الأمراض المعروف إعلاميًا باسم «جهاز الكفتة»، باعتبارها نموذجًا فاضحًا لانتصار الدعاية على العلم، حين روجت مؤسسات رسمية لاختراع ادعى علاج أمراض خطيرة دون أساس علمي موثوق.

 

وقارن حجي بين هذا المشهد وطبيعة عمله العلمي القائم على دراسة الأجسام الغامضة والهوائيات والمغذيات الكهربائية والبحث القابل للاختبار، مشيرًا إلى أن العلم يبدأ من الشك والتحقق بينما تعتمد الدعاية على إسكات الأسئلة وإجبار المجتمع على التصديق.

 

وروى أنه التقى مسؤولًا كبيرًا أقر أمامه بأن السلطة لا تضع الحقيقة العلمية في مقدمة أولوياتها بقدر اهتمامها بالسيطرة على المجال العام وتوجيه المواطنين، وهو ما كشف له أن أزمة المعرفة لم تكن مجرد خطأ عابر.

 

وربط عالم الفضاء تلك التجربة بتاريخ أسرته وذكرياته في المنصورة، متحدثًا عن الشارع الذي نشأ فيه ويحمل اسم الشهيد الدكتور حمدي حجي وعن المنزل القديم الذي تربى داخله قبل انتقاله إلى مسيرته العلمية في الخارج.

 

غير أن هذه الرمزية اصطدمت لديه بواقع مختلف عندما ألقي القبض على طالب كان يرأس اتحاد طلاب كلية الهندسة بجامعة القاهرة، واتُهم بالانتماء إلى جماعة محظورة بسبب صورة تذكارية وفق الرواية التي عرضها حجي.

 

وأضاف أنه حاول التواصل مع وزير الداخلية ومسؤولين آخرين من أجل التدخل وكشف حقيقة القضية، إلا أن محاولاته قوبلت بالتسويف والسخرية، ما رسخ لديه الاعتقاد بأن الظلم ليس مجرد تجاوز فردي بل ممارسة تحميها مؤسسات الدولة.

 

العلم لا ينفصل عن العدالة

 

وجه حجي رسالته إلى المصريين العاملين في الخارج، خصوصًا الطلاب والأطباء والمهندسين والباحثين الذين حققوا نجاحات مهنية معتبرة، مطالبًا إياهم بعدم اختزال علاقتهم بوطنهم في الزيارات.

 

وشدد على أن النجاح المهني لا يعفي صاحبه من المسؤولية الأخلاقية، وأن قيمة العلم لا تقاس بالشهادات والمناصب وحدها بل بقدرته على خدمة الإنسان وكشف التضليل والدفاع عن المظلومين ومقاومة تحويل الجهل إلى أداة للحكم.

 

ويرى حجي أن المواطن الذي يعيش بأمان خارج البلاد يمتلك مساحة أكبر للكلام والمساءلة مقارنة بمن تحاصره المخاطر في الداخل، ولذلك يصبح صمته أكثر قسوة حين يختار حماية صورته الاجتماعية على حساب مساندة من فقدوا حريتهم.

 

وأوضح أن تجاهل الظلم لا يحمي الإنسان من آثاره النفسية والأخلاقية، بل يكسر داخله تدريجيًا قيم التعاطف والشجاعة والشعور بالمسؤولية، حتى يصبح قادرًا على مشاهدة معاناة الآخرين دون أن يرى فيها شأنًا يعنيه.

 

كما حذر من استخدام النجاح الفردي لإصدار أحكام متعالية على المواطنين الذين لم يتمكنوا من مغادرة البلاد، مؤكدًا أن اختلاف الظروف والفرص لا يمنح الناجحين حق تجاهل الأزمات أو تقديم أنفسهم بوصفهم نموذجًا مكتملًا.

 

وخلص حجي إلى أن الوعي بحقيقة الواقع يظل مسؤولية لا يمكن استبدالها بالراحة أو الرفاهية، داعيًا المصريين في الداخل والخارج إلى رفض الجهل ومقاومة الظلم وتوجيه العلم والخبرة والنجاح نحو بناء وطن يحترم الإنسان والحقيقة.