كشف تقرير اللجنة الفنية المشتركة بين الإدارة الهندسية وشركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، بعد إجراء جسات في نجع السايح بالبصيلية، أن بيارات عشوائية تسببت بتسريب المياه وتصدع المنازل وتهديدها بالانهيار.

 

ويفضح استمرار الأزمة عجزًا تنفيذيًا يتجاوز حدود التسريب، إذ تُترك أسر كاملة تحت أسقف متشققة بانتظار كارثة محتملة، بينما تتحول المعاينات واللجان إلى بديل بيروقراطي عن إزالة مصدر الخطر وحماية أرواح المواطنين.

 

 

منازل تحت التهديد

 

في البداية، ظهرت آثار التسريب على جدران وأسقف عدد من المنازل داخل النجع، حيث اتسعت التشققات وازدادت الرطوبة، وسط مخاوف السكان من أن تكون العلامات المرئية مقدمة لهبوط في التربة أو انهيار مفاجئ للعقارات.

 

وفوق ذلك، لم تنحصر الأضرار داخل بيوت الأهالي، بل امتدت إلى جدران مباني ساحة الزعامة المحمدية، ما يشير إلى اتساع نطاق التأثير وعدم ارتباطه بعقار منفرد يمكن التعامل معه باعتباره حالة إنشائية معزولة.

 

إلى جانب ذلك، غمرت المياه الشارع الرئيسي في الجهة البحرية من النجع، بما يوضح استمرار وصولها إلى باطن الأرض والسطح معًا، ويزيد مخاطر الرطوبة وانتشار الروائح والحشرات وتدهور البيئة المحيطة بالسكان.

 

وفي الوقت نفسه، يعيش أصحاب المنازل المتضررة بين خيارين قاسيين، إما البقاء داخل مبان ظهرت فيها تصدعات مقلقة، أو مغادرتها من دون توفير مساكن بديلة أو تعويضات تساعدهم على تحمل تكاليف الانتقال والإقامة.

 

وبحسب أستاذ الجيولوجيا بجامعة بنها زكريا هميمي، تختلف استجابة التربة للمياه باختلاف تركيبها، ولكل نوع احتياطات هندسية يجب مراعاتها، ما يجعل تحليل طبقات الأرض خطوة ضرورية قبل تحديد حجم الخطر ومعالجته.

 

ومن هذه الزاوية، لا تكفي ملاحظة الشقوق بالعين أو تصويرها في محضر معاينة، لأن تقييم سلامة المباني يحتاج إلى قياس الهبوط وفحص الأساسات وتحديد نوع التربة ونسبة تشبعها ومدى تأثر قدرتها على تحمل الأحمال.

 

وعلى صعيد الصحة، تحمل مياه الصرف المتسربة ملوثات وروائح وجراثيم قد تصل إلى محيط المنازل، بما يضاعف الأزمة ويحولها من تهديد إنشائي فقط إلى خطر يومي على الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

 

وفي المقابل، لم يُعلن حتى الآن حصر رسمي بعدد المنازل المتضررة أو درجات خطورتها، كما لم تُحدد العقارات التي تحتاج إلى إخلاء احترازي، وهو فراغ يترك السكان بلا معلومات واضحة بشأن سلامتهم أو مستقبل بيوتهم.

 

 

الجسات تكشف السبب

 

ميدانيًا، تحركت الأجهزة التنفيذية بعد تكرار استغاثات السكان، وأصدر رئيس مجلس مدينة البصيلية تكليفًا بتشكيل لجنة تضم الإدارة الهندسية وممثلي شركة مياه الشرب والصرف الصحي، لمعاينة الشوارع والمباني والوصول إلى مصدر التجمعات المائية.

 

وخلال المعاينة، فحصت اللجنة خطوط شبكة المياه الرسمية المحيطة بشوارع الساحة، وانتهت إلى سلامتها وعدم وجود كسور بها، ما استبعد الشبكة العامة من قائمة المصادر المحتملة للتسريب المستمر داخل المنطقة.

 

وبعد ذلك، أجرت اللجنة جسات اختبارية في باطن التربة، لتكشف وجود بيارات صرف عشوائية في الناحية القبلية للنجع، أقيمت دون عزل هندسي كاف يمنع تسرب محتوياتها إلى طبقات الأرض المحيطة بالمنازل.

 

وبالتالي، رجح التقرير أن المياه المتسربة من البيارات تشبعت بها التربة الواقعة أسفل العقارات، فأضعفت تماسكها وغيّرت خواصها، لتظهر النتيجة على هيئة رطوبة وتشققات في الجدران والأسقف وتهديد لاستقرار الأساسات.

 

ووفقًا للباحث في هندسة الصرف محمد بسيوني، الذي شارك في دراسة أكاديمية حول تأثير تسرب الصرف على خواص التربة الطينية، فإن هذه المياه قادرة على تغيير الخصائص الهندسية للأرض التي تحمل المنشآت.

 

واستنادًا إلى ذلك، فإن وقف التسريب يمثل الخطوة الأولى وليس الأخيرة، لأن التربة المشبعة قد تحتاج إلى تجفيف أو إحلال أو حقن ومعالجة، وفق نتائج الاختبارات ومدى الهبوط المسجل أسفل كل مبنى متضرر.

 

غير أن الأهالي يخشون اقتصار التحرك على كسح المياه بصورة مؤقتة، وهي عملية تخفض التجمعات الظاهرة دون إغلاق البيارات أو عزلها، بما يسمح باستمرار التسرب الخفي أسفل الأرض وإعادة إنتاج الأزمة بعد كل عملية شفط.

 

وعوضًا عن المسكنات، يطالب السكان بإزالة البيارات المخالفة واتخاذ إجراءات قانونية ضد المسؤولين عنها، ثم وقف تدفق الصرف إلى التربة فورًا، باعتبار ذلك تدخلًا وقائيًا يسبق أعمال ترميم الشقوق أو طلاء الجدران المتضررة.

 

أما الاكتفاء بتبرئة شبكة المياه الرسمية، فلا يعفي الجهات المحلية من المسؤولية عن الرقابة على وسائل الصرف العشوائية، خصوصًا أن غياب الشبكة العامة يدفع السكان إلى حلول بديلة ينبغي إخضاعها للاشتراطات والفحص الدوري.

 

 

استغاثة قبل الكارثة

 

هندسيًا، يوضح الاستشاري عماد سالم في شروحه المتخصصة بشأن تسرب المياه بالمباني أن العلاج يبدأ بتحديد المصدر وإيقافه، ثم فحص آثار الرطوبة على الأساسات والجدران، واختيار أسلوب العزل والتدعيم وفق حالة المنشأ.

 

وبناء على ذلك، تحتاج منازل نجع السايح إلى لجنة متخصصة في المنشآت الآيلة للسقوط، لا تكتفي بفحص خطوط المياه، بل تراجع الأعمدة والقواعد والأسقف والشروخ وتحدد صلاحية كل عقار للإقامة الآمنة.

 

ولزيادة الحماية، ينبغي تركيب علامات قياس على الشقوق ومراقبة اتساعها خلال فترة محددة، مع إجراء اختبارات للتربة والخرسانة، لأن حركة الشق قد تكشف استمرار الهبوط وتفرض إخلاء المبنى قبل بلوغه مرحلة الخطر.

 

كذلك، يجب إعلان نتائج الفحص للأهالي بصورة مكتوبة، وتحديد المباني الآمنة والمباني التي تحتاج إلى تدعيم عاجل، بدل ترك السكان أسرى تقديرات شخصية وشائعات تزيد الخوف ولا توفر أساسًا لاتخاذ قرار البقاء أو المغادرة.

 

وبالتوازي، يتمثل المطلب الثاني في إزالة البيارات غير المطابقة أو إعادة إنشائها بعزل كامل وتحت إشراف هندسي، مع توفير وسيلة آمنة ومؤقتة لجمع الصرف حتى لا يؤدي الإغلاق المفاجئ إلى أزمة صحية جديدة.

 

وفيما يتعلق بالحل الدائم، يطالب أهالي النجع بإدخال شبكة صرف صحي رسمية تستوعب احتياجات المنطقة، لأن الاعتماد الممتد على البيارات في تجمع سكني متزايد يحول كل خزان غير معزول إلى مصدر محتمل لتلوث التربة وتهديد المباني.

 

ومن جهة أخرى، يتعين على محافظة أسوان إعلان جدول زمني يتضمن إزالة مصادر التسريب وفحص العقارات ومعالجة التربة وتنفيذ الشبكة، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة والتمويل المطلوب وموعد الانتهاء من الأعمال.

 

وعمليًا، لا يجوز تحميل سكان النجع وحدهم كلفة أزمة نشأت في ظل غياب خدمة صرف آمنة ورقابة فعالة، إذ تتحمل الإدارة المحلية مسؤولية توفير البنية الأساسية ومنع المنشآت المخالفة قبل تحولها إلى تهديد جماعي.

 

وفي المحصلة، قدم التقرير الفني تفسيرًا لمصدر المياه لكنه لم ينه الخطر، بينما يظل الفارق بين اكتشاف السبب ومنع الكارثة مرهونًا بسرعة التنفيذ، وقدرة المحافظة على تجاوز المعاينات إلى إزالة البيارات وتأمين العقارات.

 

وأخيرًا، يرفع الأهالي 3 مطالب واضحة هي إزالة البيارات وفحص المنازل وإدخال شبكة الصرف، محذرين من أن أي تأخير جديد قد يجعل اللجنة المقبلة لجنة لحصر الخسائر، بعدما كانت الفرصة متاحة لإنقاذ البيوت وسكانها.