أقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال زيارته محافظة الغربية، بأن القرى لم تكن أولوية للتنمية، معلنًا إنفاق أكثر من 450 مليار جنيه على 1450 قرية، في اعتراف يكشف حجم التمييز الذي تحمل تبعاته 20 مليون مواطن.

 

ويفضح هذا التصريح خللًا لا يمكن دفنه تحت لافتة حياة كريمة، فالدولة التي وجدت المليارات للقصور والمدن الجديدة والمحاور تركت الريف بلا صرف صحي أو علاج لائق، ثم قدمت حقوق سكانه المتأخرة باعتبارها منحة تستوجب التصفيق.

 

 

اعتراف يدين السلطة

 

بدايةً، لم يوضح مدبولي لماذا ظلت القرى خارج الأولويات، ومن اتخذ قرارات توزيع الاستثمارات التي فضلت الخرسانة اللامعة على الإنسان، ومن يحاسب عن سنوات عاش خلالها ملايين المصريين وسط مياه الصرف والمدارس المتهالكة والوحدات الصحية الخاوية.

 

والأخطر أن رئيس الوزراء تحدث عن تراكمات ممتدة لعقود، متجاهلًا أن السلطة الحالية حكمت أكثر من 12 عامًا، وامتلكت المال والقرار، لكنها اختارت توجيه جانب ضخم من الموارد نحو عاصمة جديدة ومدن ساحلية ومشروعات استعراضية.

 

فعليًا، تأخر الاهتمام بالريف لأن الحكومات المتعاقبة تعاملت معه باعتباره خزانًا للسكان والعمالة الرخيصة، لا شريكًا في التنمية، فحصلت القاهرة والمراكز الحضرية على النصيب الأكبر من الخدمات، بينما بقيت القرى في نهاية قوائم الإنفاق.

 

كذلك، ساهمت المركزية الشديدة في إبعاد سكان القرى عن تحديد احتياجاتهم، إذ ظلت القرارات تصدر من الوزارات والمحافظات دون رقابة شعبية حقيقية، فأُنفقت الأموال وفق حسابات السلطة، لا وفق خرائط الفقر والمرض والحرمان الفعلي.

 

وفوق ذلك، فضلت الحكومة المشروعات التي تنتج صورًا سريعة للافتتاحات والدعاية، بينما تحتاج تنمية الريف إلى عمل طويل وأقل بريقًا، يشمل الصرف والصحة والتعليم والزراعة، وهي ملفات لا تمنح المسؤولين المشاهد الاحتفالية نفسها.

 

ومن ثم، لم يكن إهمال القرى ناتجًا عن نقص المعرفة، فالدولة امتلكت منذ سنوات خرائط دقيقة للفقر والحرمان، لكنها أخرت التدخل حتى تفاقمت الأزمة، وأصبح إصلاح ما تهدم أكثر تكلفة من صيانته في الوقت المناسب.

 

ووفق أبحاث أستاذة الاقتصاد هبة الليثي، تركز الفقر بقوة في ريف الصعيد، ووصل إلى مستويات قاسية داخل قرى عديدة، ما يعني أن الحكومة كانت تعرف مواقع الحرمان، لكنها لم تمنح سكانها الأولوية التي تفرضها العدالة.

 

وبالتالي، فإن مبلغ 450 مليار جنيه لا يمثل دليل براءة، بل يكشف الكلفة الباهظة للتأخير، فكل جنيه ينفق اليوم لمعالجة انهيار متراكم كان يمكن توفير جزء منه لو وصلت الخدمات إلى القرى قبل سنوات طويلة.

 

 

أموال للواجهات

 

في المقابل، تدفقت الاستثمارات إلى العاصمة الإدارية والمدن الجديدة والمحاور العملاقة، وهي مشروعات تسوقها الحكومة بوصفها قاطرة للنمو، بينما يرى منتقدون أنها رفعت قيمة الأراضي وخدمت النشاط العقاري أكثر مما حسنت حياة الفئات الفقيرة.

 

إضافةً إلى ذلك، ارتبط نموذج التنمية الحكومي بتحويل الأراضي إلى مصدر تمويل، فأصبحت المدن الجديدة أكثر جاذبية للسلطة لأنها تنتج مبيعات وأصولًا وصفقات، بينما تبدو القرية الفقيرة في هذا المنطق عبئًا يحتاج إلى إنفاق اجتماعي مستمر.

 

وفي هذا الإطار، أثارت الباحثة العمرانية أمنية خليل تساؤلات بشأن استمرار بناء المدن الجديدة رغم وجود ملايين الوحدات الشاغرة، معتبرة أن التوسع لا يعكس دائمًا احتياجًا سكنيًا حقيقيًا، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وعجز محدودي الدخل.

 

ومن جهة أخرى، لم تفرض الحكومة شفافية كافية حول تكاليف المشروعات الكبرى وعوائدها، بينما تطالب المواطنين بتصديق أرقام إجمالية، دون نشر مقارنة واضحة بين ما أنفق على المدن الاستثمارية وما خصص للصحة والتعليم ومرافق القرى.

 

وبحسب الاقتصادي عمرو عادلي، يصعب تقييم المشروعات القومية بسبب غياب البيانات التفصيلية عن تكلفتها وعائدها، وهو غياب يحرم المجتمع من معرفة ما إذا كانت الأولويات اختيرت لمصلحة المواطنين أم لخدمة نموذج قائم على الإنشاءات.

 

وعليه، لا يمكن فصل تأخر تنمية الريف عن اقتصاد المقاولات الذي تبنته السلطة، حيث صار الإنجاز يقاس بعدد الكباري والمدن والأبراج، لا بانخفاض الفقر أو تحسن جودة المدارس والمستشفيات أو زيادة دخول الفلاحين والعمال.

 

بالتوازي، حمل هذا النموذج البلاد أعباء ديون متصاعدة، ثم جرى تحميل المواطنين الكلفة عبر ارتفاع الأسعار والضرائب وفواتير الخدمات، فأصبح الفقير يدفع ثمن مشروعات لم يحدد أولوياتها، ولم يلمس عائدًا مباشرًا منها.

 

ومع ذلك، تحاول الحكومة تقديم حياة كريمة باعتبارها دليلًا على انحيازها للفقراء، رغم أن المبادرة جاءت بعد سنوات من التوسع المكلف في مشروعات أخرى، وكأن إيصال الصرف والمياه إلى القرى تفضل حكومي لا حق تأخر طويلًا.

 

 

حقوق مؤجلة

 

الآن، يتحدث مدبولي عن ارتفاع تغطية الصرف الصحي في قرى الغربية من 26% إلى 77%، لكن الرقم يطرح إدانة قبل أن يقدم إنجازًا، لأنه يعني أن ثلاثة أرباع القرى تقريبًا ظلت محرومة قبل بدء التدخل.

 

الأدهى أن تحسين نسبة التغطية لا يثبت اكتمال الخدمة، فشبكات الصرف تحتاج إلى محطات تعمل وصيانة دائمة، والوحدات الصحية تحتاج إلى أطباء وأدوية، والمدارس تحتاج إلى معلمين، وإلا بقيت المباني مجرد هياكل للافتتاح والتصوير.

 

علاوةً على ذلك، لا تعالج الطرق والمرافق وحدها جذور فقر الريف، ما لم تقترن بدعم الزراعة والصناعات المحلية وفرص العمل والأجور العادلة، لأن المواطن قد يحصل على طريق ممهد ثم يستخدمه لمغادرة قريته بحثًا عن الرزق.

 

لهذا، كان ينبغي أن يبدأ الاهتمام بالريف قبل بناء مدن لا يستطيع معظم المصريين السكن فيها، وقبل إنفاق المليارات على منشآت باهظة، وقبل أن يحول التضخم وارتفاع الأسعار حياة الأسر الفقيرة إلى معركة يومية للبقاء.

 

وبناءً عليه، تتحمل السلطة الحالية مسؤولية مستقلة عن إهمال من سبقوها، لأنها لم ترث المشكلة فقط، بل أعادت ترتيب الإنفاق لمصلحة مشروعاتها الكبرى، وأبقت الريف سنوات إضافية ينتظر أبسط الحقوق التي يكفلها الدستور.

 

رغم ذلك، لا تزال الحكومة ترفض نشر كشف حساب كامل يوضح ما نُفذ داخل كل قرية، وما تعطل، ومن حصل على العقود، وكيف ارتفعت التكاليف، وما إذا كانت المنشآت تعمل فعلًا أم أضيفت فقط إلى أرقام الإنجاز.

 

في النهاية، لا يحتاج سكان الريف إلى اعتراف متأخر أو دعاية عن حياة كريمة، بل إلى مساءلة من همشهم، وميزانيات عادلة، وخدمات مستدامة، ومشاركة حقيقية في القرار، وتعويض سنوات دفعوا خلالها ثمن تنمية لم يكونوا ضمن أولوياتها.