يفتح التقارب الاستراتيجي المتسارع بين السعودية وتركيا وباكستان بابًا واسعًا أمام إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم، بعدما باتت الدول الثلاث تجمع بين الثقل المالي والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية والردع النووي، في مواجهة بيئة إقليمية تتغير بسرعة منذ طوفان الأقصى، وتصاعد الحضور الإسرائيلي في تحالفات تمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا.

 

ويطرح هذا المشهد سؤالًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى القاهرة: لماذا تغيب مصر عن تكتل دفاعي يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مراكز القوة في المنطقة؟ فالتحالف المحتمل لا يتعلق بمجرد تنسيق عسكري عابر، وإنما بتكوين مظلة ردع قادرة على مواجهة محور مضاد يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص، بينما تبدو مصر، رغم موقعها وحجم جيشها وثقلها التاريخي، خارج هذا البناء الناشئ.

 

غياب مصر وأزمة الثقة

 

تجمع السعودية وتركيا وباكستان عناصر قوة يصعب توافرها مجتمعة في أي تحالف إقليمي آخر؛ فباكستان تمتلك قوة ردع نووية وخبرة عسكرية واسعة، بينما بنت تركيا خلال السنوات الأخيرة قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، في حين تمتلك السعودية الموارد المالية والمكانة الدينية والسياسية التي تمنح التكتل قدرة على الاستمرار والتوسع.

 

لكن غياب مصر عن هذه المعادلة لا يمكن تفسيره بمجرد اختلاف المصالح أو التوقيت، إذ ترتبط المسألة، وفق القراءة المطروحة، بأزمة ثقة متراكمة تجاه قدرة النظام المصري الحالي على الانخراط في تحالف عسكري ذي طبيعة صلبة يمكن أن يضع أعضاءه أمام اختبارات مباشرة.

 

فالقاهرة، خلال السنوات الماضية، اتخذت في معظم الأزمات الإقليمية سياسة تقوم على تجنب الصدام المباشر والبحث عن مساحات للتهدئة، وهو نمط ظهر في التعامل مع ملف سد النهضة والأزمة الليبية والحرب في السودان، ثم في طريقة إدارة تداعيات الحرب على غزة.

 

هذا النهج ربما وفر للنظام المصري مساحة لتجنب مغامرات عسكرية مكلفة، لكنه في المقابل أضعف صورته كشريك يمكن التعويل عليه داخل تحالف دفاعي يحتاج إلى قرارات حاسمة والتزامات قد تتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية أو الوساطات التقليدية.

 

كما أن الوضع الاقتصادي الداخلي يضع قيودًا إضافية على حرية القرار المصري، في ظل اعتماد واسع على التمويل الخارجي والدعم والاستثمارات القادمة من أطراف ترتبط بدورها بعلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، ما يجعل الدخول في تكتل دفاعي مستقل أكثر تعقيدًا.

 

ويضاف إلى ذلك أن مصر اعتادت تاريخيًا التحرك داخل ترتيبات إقليمية تمنحها وزنًا قياديًا بحكم عدد السكان وحجم الجيش والموقع الجغرافي، بينما يضعها التحالف الثلاثي أمام شركاء يمتلك كل منهم عنصر تفوق نوعيًا يصعب تجاوزه.

 

فباكستان تمتلك السلاح النووي، وتركيا تتمتع بجيش حديث وصناعة دفاعية متقدمة، والسعودية قادرة على تمويل مشروعات عسكرية واستراتيجية ضخمة، وهو ما يجعل العلاقة داخل هذا التكتل أقرب إلى شراكة متكافئة لا إلى منظومة تتصدرها القاهرة تلقائيًا.

 

محور مضاد يفرض نفسه

 

لا يمكن فهم أهمية التحالف الثلاثي بعيدًا عن المحور المقابل الذي يربط الهند بإسرائيل واليونان وقبرص، وهو تكتل يتقاطع في مصالحه من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، ويستند إلى تعاون عسكري واقتصادي وتكنولوجي متزايد.

 

وتكمن خطورة هذا المحور في أنه يلامس بصورة مباشرة المصالح الحيوية للدول الثلاث؛ فباكستان ترى الهند خصمها الاستراتيجي التاريخي، وتركيا تواجه منافسة حادة مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط، بينما تراقب السعودية التغيرات التي تمس أمن البحر الأحمر وممرات التجارة والطاقة.

 

كما أن إسرائيل، بعد الحرب على غزة، أصبحت بالنسبة إلى قطاعات واسعة في المنطقة مصدر تهديد يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا مع توسع علاقاتها العسكرية والاستراتيجية مع قوى محيطة بالعالم الإسلامي.

 

ومن هنا، يصبح بناء مظلة ردع مشتركة بين أنقرة والرياض وإسلام آباد محاولة لإعادة التوازن إلى الإقليم بدل ترك المجال مفتوحًا لمحاور تمتلك تفوقًا تقنيًا وعسكريًا وتحظى بدعم غربي واسع.

 

ولا يعني ذلك بالضرورة أن التحالف يتجه إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما أن امتلاك أدوات القوة المشتركة يمكن أن يرفع تكلفة أي مغامرة ضد مصالح الدول الأعضاء ويمنحها قدرة أكبر على التفاوض وحماية طرق التجارة والممرات البحرية.

 

وتبرز هنا أهمية الجمع بين القوة العسكرية التقليدية والقدرات النووية والتصنيع الدفاعي والموارد المالية، إذ يمنح هذا المزيج التحالف المحتمل قاعدة صلبة للاستقلال النسبي عن المظلة الأمريكية التي ظلت لعقود الضامن الرئيسي لأمن المنطقة.

 

لكن تحويل هذا التقارب إلى حلف حقيقي يتطلب أكثر من الاجتماعات والتفاهمات السياسية، إذ يحتاج إلى معاهدات دفاعية واضحة، وقيادة مشتركة، وآليات تنسيق عسكري، وبرامج تصنيع وتسليح متكاملة، إضافة إلى قواعد لاتخاذ القرار في أوقات الأزمات.

 

كما يحتاج إلى حماية نفسه من تغير الحكومات، خصوصًا في دول مثل تركيا وباكستان التي تشهد حياة سياسية أكثر ديناميكية، بما يجعل مأسسة التحالف شرطًا أساسيًا لضمان استمراره وعدم تحوله إلى مشروع مرتبط بقادة بعينهم.

 

هل يعود الدور المصري؟

 

رغم الغياب الحالي، تبقى مصر عنصرًا يصعب استبعاده من أي تصور طويل الأمد لمنظومة أمن إقليمي واسعة، فهي تتحكم في قناة السويس، وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتمتلك أكبر كتلة سكانية عربية وجيشًا كبيرًا وحدودًا مباشرة مع فلسطين المحتلة.

 

لكن استعادة هذا الدور، وفق الرؤية المطروحة، تحتاج أولًا إلى تغيير في فلسفة السياسة الخارجية المصرية، من إدارة الأزمات بمنطق تجنب الخسائر إلى بناء قدرة حقيقية على التأثير وصياغة التحالفات من موقع المبادرة.

 

كما تحتاج القاهرة إلى تخفيف القيود الاقتصادية التي تجعل قرارها الخارجي شديد الحساسية تجاه مواقف الممولين والداعمين، لأن الاستقلال الاستراتيجي يبدأ من القدرة على تحمل كلفة القرار السياسي والعسكري.

 

ويضاف إلى ذلك ضرورة إعادة بناء الثقة مع القوى الإقليمية، خصوصًا تركيا والسعودية وباكستان، على قاعدة المصالح المشتركة لا المنافسة على القيادة أو الحسابات الأيديولوجية القديمة التي حكمت علاقات القاهرة ببعض هذه العواصم.

 

فوجود مصر داخل تحالف من هذا النوع يمكن أن يمنحه عمقًا جغرافيًا هائلًا يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، ويضع قناة السويس والبحر الأحمر ضمن منظومة دفاعية متكاملة بدل بقائهما ساحتي ضغط منفصلتين.

 

وفي المقابل، فإن استمرار مصر خارج التكتلات الجديدة قد يعني تراجعًا إضافيًا لدورها الإقليمي، خصوصًا إذا تطور التحالف الثلاثي إلى مؤسسة دفاعية واقتصادية مستقرة وأصبح نقطة جذب لدول إسلامية أخرى تبحث عن بدائل للمظلة الغربية.

 

ويبقى السؤال الأكبر متعلقًا بقدرة هذا التحالف على أن يصبح بديلًا جزئيًا للوجود الأمريكي في المنطقة، وهو احتمال يرتبط بصعود الصين وتراجع النفوذ الأمريكي وقدرة الدول الثلاث على توطين الصناعات العسكرية وتقليل اعتمادها على التسليح الغربي.

 

وإذا نجح هذا المسار، فقد يتحول التحالف من مجرد شراكة إقليمية إلى نواة لنظام أمني جديد يقوم على الردع الذاتي والتكامل العسكري والاقتصادي، ويفتح الباب أمام انضمام دول أخرى تمتلك مصالح مشتركة.

 

في النهاية، لا يبدو التحالف السعودي التركي الباكستاني مجرد ترتيب مرحلي، بل محاولة لبناء ميزان قوة جديد في إقليم تتراجع فيه ضمانات النظام القديم وتتزايد فيه التهديدات المتشابكة.

 

أما مصر، فتبقى الغائب الأكبر عن هذه المعادلة، رغم أنها تملك من الجغرافيا والتاريخ والقوة البشرية ما يجعل حضورها طبيعيًا، لكن استعادة مكانها تتطلب أولًا قرارًا بإعادة تعريف دورها من دولة تتجنب الصدام إلى دولة تشارك في صناعة الردع.