كشفت بيانات التجارة الخارجية أن الحكومة المصرية أبقت الاقتصاد رهين فاتورة واردات تتجاوز 90 مليار دولار سنويًا، ووصلت تقديراتها خلال 2025 إلى نحو 101 مليار دولار، بما يضغط على العملة الأجنبية ويكشف محدودية التقدم في إحلال الإنتاج المحلي.
وبالتالي لا تبدو الأزمة مجرد نقص عابر في المصانع، بل حصيلة سنوات من اختيارات اقتصادية أعطت الأولوية لإنفاق واسع دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تصنيع الاحتياجات الأساسية، بينما تحمل المواطن كلفة الدولار والديون وارتفاع الأسعار.
كما أن اعتماد مصر على الخارج يمتد من الوقود والغاز إلى القمح والخامات والمكونات الصناعية والآلات، ما يجعل كل اضطراب عالمي أو تراجع في موارد النقد الأجنبي ينتقل سريعًا إلى المصانع والأسواق ثم إلى ميزانية الأسرة المصرية.
وفوق ذلك تكشف أزمة الطاقة جانبًا صارخًا من الخلل، بعدما تحولت مصر من الترويج لفائض الغاز إلى زيادة الاستيراد، مع تقديرات حديثة تشير إلى تكاليف قد تبلغ بين 8 و11 مليار دولار سنويًا للغاز المسال وحده.
ومن ناحية أخرى لا يمكن فصل تصاعد الواردات عن ضعف القدرة التصنيعية، إذ تظهر بيانات البنك الدولي أن مساهمة الصناعات التحويلية تدور حول 14% من الناتج، بما يكشف المسافة بين الشعارات الرسمية والقاعدة الإنتاجية المطلوبة.
إلى جانب ذلك ظلت الحكومة تتحدث لسنوات عن توطين الصناعة وتعميق المكون المحلي، لكن استمرار استيراد قطع الغيار والخامات الوسيطة والآلات يكشف أن قطاعات واسعة ما زالت تعتمد على الخارج حتى في مكونات قابلة للتصنيع.
استيراد يلتهم العملة
في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن ارتفاع تكاليف المحروقات والكهرباء والنقل يضرب جانب العرض ويجعل الصناعة المحلية أقل تنافسية، بما يكرس الاعتماد على الاستيراد بدل توسيع الإنتاج القادر على منافسة السلع الخارجية.
وبالمثل حذر نافع من أن دعم المستثمر الصناعي لا ينبغي اعتباره منحة، لأن زيادة الإنتاج المحلي تخفض تكلفة الاستيراد وتقلل الضغوط على ميزان المعاملات وسعر الصرف، بينما يؤدي إهمال الصناعة إلى إعادة إنتاج الأزمة.
ومع ذلك واصلت الدولة تحميل السوق والمستوردين جانبًا كبيرًا من أزمة الدولار، رغم أن جذورها تتصل بضعف الإنتاج وارتفاع تكلفة التمويل والطاقة والأراضي والإجراءات التي تجعل المنتج المحلي أحيانًا أضعف أمام البديل المستورد.
في المقابل بلغت صادرات الولايات المتحدة السلعية إلى مصر نحو 9.5 مليار دولار خلال 2025، وهو رقم يكشف اتساع الطلب الخارجي وحجم المساحة التي كان يمكن أن تشغلها صناعات محلية أكثر قدرة على المنافسة.
علاوة على ذلك فإن زيادة الواردات لا تعني كلها استهلاكًا ترفيهيًا، إذ تضم مواد خام ومعدات ومستلزمات إنتاج، لكن استمرار الحاجة إليها يكشف قصورًا هيكليًا في بناء سلاسل توريد محلية قادرة على حماية المصانع من أزمات الدولار.
ومن ثم يصبح الضغط على الاستيراد بقرارات إدارية وحدها علاجًا ناقصًا، لأن المصنع الذي لا يجد مدخلاته محليًا سيضطر للشراء من الخارج، بينما يؤدي المنع دون بديل إلى نقص الإنتاج وارتفاع التكلفة وانتقال العبء للمستهلك.
الصناعة تدفع الثمن
في هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن خفض الاستيراد المستدام يتطلب تحفيز المنتج المحلي وتحسين تنافسيته، مشددًا على إزالة العقبات أمام الصناعة وخفض تكلفة التمويل والطاقة والأراضي لمساندة الاستثمار والإنتاج.
وبناءً على ذلك تكشف رؤية توفيق تناقضًا واضحًا في السياسات، فالدولة تطالب المصانع بإحلال الواردات بينما تواجه تلك المصانع فوائد مرتفعة وتكاليف تشغيل وضغوطًا بيروقراطية، وهي بيئة تجعل الاستثمار الصناعي طويل الأجل أكثر صعوبة.
كذلك لا يقتصر الخلل على التمويل، إذ تحتاج الصناعة إلى خرائط دقيقة للاحتياجات والمكونات المستوردة ومراكز اختبار واعتماد وبحث تطبيقي، حتى يتحول الاستيراد القابل للإحلال إلى مشروع صناعي حقيقي لا مجرد بند في الخطابات.
وعلى الجانب الآخر أظهرت أزمة الغاز كيف يمكن لسوء ترتيب الأولويات أن يضاعف فاتورة الخارج، بعدما تراجع الإنتاج المحلي وارتفعت الواردات، واضطرت الدولة للبحث عن تعاقدات طويلة لتأمين الإمدادات وتقليل تقلبات السوق.
وفي الأثناء يؤدي نقص الدولار أو ارتفاع سعره إلى زيادة تكلفة المواد الخام والمعدات، ثم تمرر المصانع جانبًا من الزيادة إلى الأسعار، بما يعني أن المواطن يدفع ثمن ضعف التصنيع عبر الغلاء وتراجع القوة الشرائية.
فضلًا عن ذلك يؤدي استمرار الاستيراد المرتفع إلى استنزاف جانب من حصيلة السياحة والتحويلات والصادرات لتغطية احتياجات كان يمكن تصنيع بعضها محليًا، وهو ما يقلص قدرة الاقتصاد على مقاومة الصدمات وتكوين احتياطيات أكثر استقرارًا.
سوء إدارة مزمن
في هذا الصدد يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد أن تقليل الضغط على الدولار يمر عبر تكثيف الصناعة والزراعة وخفض فاتورة الاستيراد وتوفير البدائل المحلية، بما يربط أزمة العملة مباشرة بقدرة الدولة الإنتاجية.
وعلى نحو مماثل تكشف هذه الرؤية أن المشكلة ليست في غياب المعرفة بالحلول، فالحكومة نفسها تكرر منذ سنوات عبارات توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي، لكن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ ظلت واسعة بما يكفي لاستمرار الأزمة.
أمام ذلك يبرز سؤال المساءلة عن توجيه الموارد العامة، إذ إن بناء المصانع وسلاسل الموردين والبحث والتطوير يحتاج تمويلًا مستقرًا، بينما توسعت الدولة في مشروعات وإنفاق لم يعالجا بصورة مباشرة فجوة الإنتاج والاستيراد.
في الوقت نفسه لا يجوز وصف كل إخفاق اقتصادي بالفساد دون دليل رقابي أو قضائي محدد، لكن ضعف الشفافية وتكرار القرارات المتعارضة وغياب تقييم النتائج تفتح بابًا مشروعًا لمساءلة الحكومة عن كفاءة إدارة المال والموارد.
ومع استمرار الأزمة يصبح المطلوب أكثر من افتتاح مصانع متفرقة، لأن إحلال الواردات يحتاج سياسة تبدأ بتحديد السلع الأكثر استنزافًا للدولار، ثم بناء الموردين ونقل التكنولوجيا وربط الجامعات بالصناعة وضمان المنافسة ومنع الاحتكار.
وبالنتيجة فإن خفض فاتورة تتجاوز 90 مليار دولار لا يتحقق بالشعارات ولا بتقييد الاستيراد وحده، بل بإنتاج محلي يقدم السعر والجودة والكمية، وإلا ستظل المصانع والأسواق مرتبطة بالدولار مهما تعددت المبادرات الحكومية المعلنة.
وفي المحصلة تكشف أزمة الاستيراد أن الاقتصاد المصري يدفع ثمن سنوات من ضعف التخطيط الصناعي وتضارب الأولويات وارتفاع تكلفة الإنتاج، فيما يظل المواطن الحلقة الأخيرة التي تتحمل الغلاء كلما ارتفع الدولار أو تعطلت الإمدادات.
وأخيرًا فإن نجاح الحكومة لا يقاس بعدد الاستراتيجيات والمصانع المعلنة، بل بقدرتها الفعلية على خفض المكونات المستوردة وزيادة القيمة المحلية والصادرات، وإلا ستظل فاتورة الخارج شاهدًا رقميًا على الفجوة الواسعة بين الوعود والنتائج.

