رفعت سياسات الحكومة كلفة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود في مصر بنسبة 31.1 بالمئة خلال يوليو 2026، فصعد التضخم السنوي إلى 13 بالمئة، وفق جهاز الإحصاء، وعمقت النتيجة استنزاف دخول الأسر.

 

ويفضح الارتفاع كيف تعالج السلطة اختلالات المرافق والموازنة بنقل فاتورتها إلى المواطنين، بينما تتآكل الأجور أمام الإيجار والطاقة، ويتحول السكن الآمن والضوء والوقود من حقوق أساسية إلى أعباء تعجز أسر عن احتمالها.

 

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع تضخم إجمالي الجمهورية من 12.2 بالمئة في يونيو إلى 13 بالمئة في يوليو، مسجلا أول زيادة منذ مارس، فيما بلغ التغير الشهري 0.1 بالمئة.

 

وفي المقابل، سجل التضخم السنوي في المدن 14.9 بالمئة مقابل 14.3 بالمئة خلال يونيو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.7 بالمئة، بما يكشف استمرار ضغوط سعرية تتجاوز السلع الموسمية المتقلبة.

 

كما تصدرت مجموعة المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود الزيادات السنوية عند 31.1 بالمئة، مدفوعة بصعود الإيجار الفعلي 28.1 بالمئة والإيجار المحتسب للمساكن 50.9 بالمئة مقارنة بيوليو من العام السابق وحدها.

 

وفوق ذلك، شهدت شرائح الكهرباء المنزلية زيادة بمتوسط يقارب 12 بالمئة، لتنعكس على فاتورة يوليو، ولا يتوقف أثرها عند المنازل لأن الكهرباء تدخل في تكاليف المصانع والمتاجر والنقل والتبريد والخدمات.

 

وفقا لمرصد العمران، بلغ متوسط الإيجار السكني في القاهرة نحو 10000 جنيه شهريا، وهو رقم يبتلع قسما كبيرا من دخول العاملين، بينما تستهدف الحكومة إيجارا يقارب 2500 جنيه لوحداتها الاجتماعية.

 

وعلى الرغم من هدوء أسعار الطعام شهريا، فإن انخفاض الغذاء 0.1 بالمئة لا يلغي أن تكاليف السكن والطاقة ثابتة ومتكررة، ولا تستطيع الأسرة تأجيلها أو تقليلها بسهولة مثل بعض المشتريات الأخرى.

 

المرافق تشعل الأسعار

 

ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن زيادة التضخم تعكس ضغوطا مالية وهيكلية في قطاع الكهرباء، تشمل ارتفاع الوقود والمديونيات المتبادلة وأعباء الموازنة، وهي مشكلات لا تحل بمجرد رفع التعريفة على المستهلك.

 

غير أن الحكومة، بحسب نافع، تلجأ مرارا إلى زيادة الأسعار لمعالجة الخلل المالي بدلا من إصلاح الإدارة ورفع كفاءة الإنفاق والاستثمار وتقليل الفاقد، ما يجعل المواطن الممول الدائم لأوجه القصور.

 

فضلا عن ذلك، يؤدي تمرير التكلفة إلى الأسر إلى خفض قدرتها الشرائية، ثم ينتقل الأثر إلى الأسواق حين ترفع الشركات أسعار منتجاتها لتعويض الكهرباء والنقل، فتبدأ موجة تتسع أبعد من فاتورة المرفق.

 

وبالتالي، يحذر نافع من تضخم لزج يصعب خفضه، لأن الزيادة ناتجة بدرجة كبيرة عن تكاليف الإنتاج والأسعار المنظمة حكوميا، وليست نتيجة طلب استهلاكي قوي يمكن كبحه برفع الفائدة وحده مباشرة.

 

ومن ثم، تصبح مهمة البنك المركزي أكثر تعقيدا، فالإبقاء على الفائدة المرتفعة يضغط الاستثمار والاقتراض، بينما خفضها سريعا قد يصطدم دون خسائر بموجات جديدة من أسعار الكهرباء والوقود والإيجارات والخدمات.

 

إضافة إلى ذلك، ترفع أسعار الطاقة تكلفة إنتاج الخبز والدواء والملابس وتشغيل المحال، بما يعني أن الأسرة ستدفع الزيادة مرتين، مباشرة في الفاتورة ثم بصورة غير مباشرة في أسعار السلع.

 

أما الحل الذي يقترحه نافع، فيتطلب احتواء ارتفاع كلفة الخدمات دون تمريرها كاملة للمستهلك، وتحسين إدارة القطاع وتقليل الهدر، بدلا من معادلة سهلة تحافظ على الاختلال وتحمل المجتمع عواقبه المباشرة.

 

لهذا، فإن إعلان انخفاض بعض أسعار الغذاء لا يصلح دليلا على تحسن المعيشة، لأن الأسر تواجه التزامات شهرية صاعدة في الإيجار والكهرباء والغاز والنقل، وهي بنود تستحوذ على الجزء الأكثر ثباتا من الدخل.

 

التراجع لا يعيد الدخل

 

ويتوقع محمد أبو باشا، رئيس البحوث الاقتصادية الكلية لدى المجموعة المالية، استمرار أثر سنة الأساس في رفع التضخم السنوي خلال يوليو وأغسطس، قبل احتمال بدء التراجع في الربع الأخير من 2026.

 

وحسب تقديره، قد تبدو الحركة الشهرية محدودة، لكن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني تباطؤ سرعة الزيادة فقط، بينما تظل القوة الشرائية التي فقدتها الأسر خلال الموجات الماضية غائبة.

 

كذلك توضح البيانات أن الطعام والشراب ارتفعا 7.9 بالمئة سنويا رغم انخفاضهما 0.1 بالمئة شهريا، فيما تراجعت اللحوم والدواجن 2.1 بالمئة خلال يوليو، وهي حركة لم تمنع صعود المؤشر العام.

 

بناء على ذلك، تكشف المقارنة أن محرك التضخم انتقل بصورة أوضح من الطعام إلى الخدمات والسكن والطاقة، وهي بنود أكثر ثباتا وأشد صعوبة في الاستبدال، ما يرسخ الضغط على الأسر لفترة أطول.

 

وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف النقل 21.1 بالمئة والتعليم 20 بالمئة، لتتجمع فواتير الحركة والدراسة والسكن والطاقة فوق دخل واحد، في ظل زيادات أجور لا تلحق بالتراكم المستمر للأسعار الحقيقية.

 

وعليه، فإن التركيز الحكومي على المعدل الشهري البالغ 0.1 بالمئة يتجاهل الصورة الأوسع، فالمواطن لا يقارن فاتورة هذا الشهر بسابقه فقط، بل بما كان يدفعه قبل موجات متصلة من الزيادات.

 

الطاقة تهدد الفائدة

 

ويقول دانيال ريتشاردز، الخبير الاقتصادي في بنك الإمارات دبي الوطني، إن زيادة تعريفة الكهرباء بنحو 12 بالمئة ستظهر في قراءات التضخم، بما يضيف ضغطا جديدا إلى تأثيرات الطاقة والأسعار غير الغذائية.

 

ومع ذلك، لا تقتصر المخاطر على التعريفة الحالية، إذ يمكن لارتفاع النفط أو اضطراب طرق الإمداد أن يزيدا كلفة الوقود والاستيراد والنقل، ثم تنتقل الصدمة إلى المصانع والأسواق وفواتير الخدمات.

 

ومن جانب آخر، تهدد موجات الأسعار المتتابعة أي فرصة لخفض مستدام للفائدة، لأن التضخم المدفوع بقرارات التسعير والطاقة يعاود الظهور كلما رفعت الحكومة تعريفة أو قلصت دعما دون حماية كافية.

 

وعمليا، يتطلب كبح الأزمة نشر حسابات تكلفة إنتاج الكهرباء والغاز، وكشف الفاقد والمديونيات، وتوجيه الدعم إلى الأسر الأضعف، مع وقف تحميل الجميع نتائج سوء الإدارة المالية تحت شعار الإصلاح المالي.

 

وأخيرا، تثبت قفزة مجموعة السكن والكهرباء والغاز والوقود 31.1 بالمئة وعودة التضخم إلى 13 بالمئة أن الحكومة لم تطفئ نار الأسعار، بل غيرت وقودها وحولت المرافق الأساسية إلى محرك جديد لإفقار المصريين.