أثار إعلان وزير الصحة والسكان، خالد عبدالغفار، عن تنفيذ 7 مشروعات صحية جديدة في محافظة مطروح، تساؤلات واسعة حول أولويات الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، خاصة مع تركّز عدد من المشروعات في مناطق تشهد توسعًا سياحيًا وعقاريًا ضخمًا، مثل رأس الحكمة والعلمين الجديدة والضبعة.

 

وتشمل المشروعات الصحية الجديدة مستشفيات ومرافق طبية في رأس الحكمة والعلمين الجديدة، في إطار توجه الدولة إلى تطوير المنظومة الصحية للأغنياء.

 

ورغم أهمية دعم القطاع الصحي وتوفير المستشفيات والمراكز الطبية في مختلف أنحاء الجمهورية، فإن الإعلان عن هذه المشروعات يفتح بابًا أوسع للنقاش حول مدى عدالة توزيع الاستثمارات الصحية، وما إذا كانت الأولوية تُمنح للمناطق الأكثر احتياجًا بالفعل، أم أن المناطق التي تشهد استثمارات عقارية وسياحية كبرى أصبحت تحظى بسرعة أكبر في توفير الخدمات والبنية الأساسية.

 

لم تعد مناطق مثل رأس الحكمة والعلمين الجديدة مجرد مناطق ساحلية تستقبل المصطافين خلال أشهر الصيف، وإنما أصبحت خلال السنوات الأخيرة، خطط الدولة لبيعها للاجانب.

 

 

7 مشروعات في مطروح.. وماذا عن المناطق الأكثر فقرًا؟


المشكلة ليست في إقامة مستشفيات جديدة في مطروح أو الساحل الشمالي، بل في السؤال الأهم: أين تذهب الأولوية عندما تكون الموارد محدودة، وأي المناطق تحصل على النصيب الأكبر من الاستثمارات الصحية؟

 

ففي الوقت الذي تتجه فيه استثمارات جديدة إلى مناطق مثل رأس الحكمة والعلمين، لا تزال قرى ومراكز في محافظات أخرى  كثيرة تعاني من نقص واضح في الخدمات الصحية، سواء على مستوى المستشفيات أو الأسرة أو الأجهزة الطبية أو الأطباء وأصحاب التخصصات النادرة.

 

وفي بعض المناطق الفقيرة والريفية، لا يزال المواطن يضطر إلى الانتقال لمسافات طويلة من أجل الحصول على خدمة طبية متخصصة، بينما تعاني منشآت صحية من نقص الإمكانات أو عدم توافر بعض التخصصات الأساسية.

 

وهنا تظهر المفارقة بوضوح؛ فبينما تشهد المناطق التي ترتبط بالمشروعات الاستثمارية الكبرى توسعًا سريعًا في البنية التحتية والخدمات، تنتظر مناطق أخرى منذ سنوات تحسين مستشفياتها وتوفير الأجهزة والأطباء ورفع كفاءة المنشآت القائمة.

 

هل أصبحت المناطق الغنية أكثر جذبًا للاستثمارات الصحية؟


الواقع أن المناطق الجديدة على الساحل الشمالي أصبحت تحظى باهتمام استثماري واسع، وهو أمر انعكس على مختلف أشكال البنية الأساسية.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يحصل المواطن الفقير على الاهتمام نفسه الذي تحصل عليه المناطق التي تستقطب المستثمرين والسياح؟

 

فالمواطن الذي يعيش في قرية فقيرة أو منطقة نائية لا يملك القدرة على الاستفادة من مستشفى خاص مرتفع التكلفة، ولا يستطيع في كثير من الأحيان تحمل تكاليف الانتقال إلى مدينة كبرى للحصول على العلاج.

 

وبالتالي فإن إنشاء مستشفى حكومي مجهز بالقرب منه قد يكون بالنسبة إليه ضرورة أساسية، وليس مجرد إضافة إلى البنية التحتية.

 

ومن هنا، فإن العدالة في توزيع الإنفاق الصحي لا ينبغي أن تعتمد فقط على عدد السكان أو معدلات النمو العمراني، وإنما يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضًا معدلات الفقر، ومستوى الخدمات الصحية الموجودة بالفعل، ونسب العجز في الأطباء والأسرة والتخصصات، والمسافات التي يقطعها المواطن للوصول إلى العلاج.

 

 

المناطق الفقيرة لا تحتاج شعارات.. بل مستشفيات مجهزة


هناك مناطق أخرى لا تحتاج إلى انتظار طفرة عمرانية أو مشروع استثماري ضخم حتى تحصل على حقها في الرعاية الصحية.


المناطق الفقيرة تحتاج إلى المستشفيات الآن، والقرى النائية تحتاج إلى الأطباء الآن، والمرضى يحتاجون إلى الأجهزة والتخصصات الطبية الآن.


فالمواطن في المناطق الأكثر احتياجًا لا ينظر إلى المستشفى باعتباره عنصرًا من عناصر جذب الاستثمار، وإنما باعتباره المكان الذي قد ينقذ حياته عندما يتعرض لمرض أو حادث أو حالة طارئة.

 

وهذا يجعل الاستثمار الصحي في المناطق الفقيرة أكثر ارتباطًا بالعدالة الاجتماعية، وليس فقط بالحسابات الاقتصادية أو العمرانية.

 

 

أين تذهب أموال القطاع الصحي؟


الجدل الحقيقي لا يتعلق برفض تطوير الساحل الشمالي، ولا بالاعتراض على إنشاء مستشفيات جديدة في مطروح، وإنما يتعلق بكيفية توزيع الموارد العامة بين المناطق المختلفة.

 

فإذا كانت الدولة قادرة على تنفيذ مشروعات صحية جديدة في المناطق التي تتوسع فيها الاستثمارات السياحية والعقارية، فإن السؤال المنطقي يصبح: لماذا لا تتحرك الاستثمارات بالسرعة نفسها نحو المناطق التي تعاني عجزًا مزمنًا في الخدمات؟

 

ولماذا لا تكون القرى الفقيرة والمراكز الأكثر احتياجًا جزءًا أساسيًا من خريطة المشروعات الصحية الجديدة؟


إن المواطن في المناطق الفقيرة قد لا يمتلك القدرة على دفع تكاليف العلاج الخاص، بينما يستطيع المواطن الأكثر ثراءً الوصول إلى مستشفيات وعيادات خاصة متعددة، وهو ما يجعل دور الدولة في توفير الخدمة الصحية العامة أكثر أهمية في المناطق الأقل دخلًا.