تحولت مذبحة رابعة منذ 14 أغسطس 2013 إلى موضوع حاضر في عشرات الكتب والروايات والتقارير الحقوقية والأعمال الصوتية، التي سعت إلى جمع أسماء الضحايا وشهادات الناجين والصور والمقاطع المصورة، ومواجهة الرواية الرسمية التي حاولت تقديم الفض باعتباره عملية أمنية، بينما وثقت تلك الأعمال إطلاق الذخيرة الحية والقتل واسع النطاق وما أعقبه من جروح نفسية واجتماعية لم تندمل.
ولم تكن عملية التوثيق مجرد نشاط ثقافي يستعيد واقعة من الماضي، بل أصبحت معركة مفتوحة على الذاكرة والعدالة، خصوصا مع غياب التحقيق المستقل واستمرار المسؤولين عن العملية في مواقع السلطة، لذلك حملت الكتب والتقارير والبودكاست روايات الضحايا إلى أجيال لم تشهد الميدان، وحفظت تفاصيل سعت ماكينة إعلامية وأمنية ضخمة إلى محوها أو تشويه أصحابها.
كتب تحفظ أصوات الضحايا
صدر كتاب مجزرة رابعة بين الحكاية والتوثيق في أكتوبر 2013، بعد شهرين فقط من الفض، بمشاركة سعد نور سليم وياسر أبوزيد وأماني شحاتة وأسماء الحضري، ليكون من أوائل المحاولات المنظمة لجمع روايات شهود العيان والصور والبيانات المرتبطة بالمعتصمين والضحايا، في وقت كانت فيه آثار المذبحة ما تزال حاضرة في البيوت والمستشفيات والسجون.
طالع كتاب: كتاب مجزرة رابعة بين الحكاية والتوثيق
قسّم المؤلفون الكتاب إلى أربعة أجزاء، بدأت بمقدمة حملت عنوان أول الدم ورقة، وربطت مقدمات الجريمة بحملة تمرد التي سبقت إطاحة الرئيس محمد مرسي، ثم انتقل العمل إلى فصل ملحمة الثبات في مذبحة الفض، الذي عرض شهادات مباشرة مدعومة بالصور لما جرى داخل الميدان أثناء الاقتحام.
وخصص الكتاب فصلا لصور وأسماء وعناوين 377 من ضحايا الفض، ثم أرفق جدولا يضم أسماء وعناوين ضحايا آخرين، ليخرج التوثيق من الأرقام المجردة إلى وجوه وحكايات وأسر فقدت أبناءها، ويمنع اختزال المذبحة في إحصاءات قابلة للجدل أو النسيان.
أما كتاب من وحي الرصاص للشاعر والقاص أحمد شاكر، فقد اختار مسارا أدبيا مختلفا في 65 صفحة، مستخدما شذرات قصيرة متأثرة بشعر الهايكو الياباني، وقسم العمل إلى مراحل ما قبل الفض ويوم المذبحة وما بعدها، بما سمح له بتسجيل الخوف والرصاص والفقد بلغة مكثفة تتجاوز التقرير المباشر.
وفي عام 2014 أصدر جمال عبد الستار، وكيل وزارة الأوقاف السابق والأستاذ بكلية الدعوة في جامعة الأزهر، كتاب شهادتي على ميلاد أمة في رابعة الصمود في 198 صفحة، مقدما رواية شخصية مدعومة بالصور عن الاعتصام وأهدافه وتفاصيل يوم الفض.
وانطلق عبد الستار من سؤال لماذا الاعتصام، معتبرا أن رابعة كانت امتدادا لأهداف ثورة يناير ووسيلة لمواجهة عودة الدولة العسكرية، ورأى أن الصراع لم يكن خاصا بتيار واحد، بل بين شعب يطلب الحرية وسلطة اعتادت إخضاعه وإبعاده عن تقرير مصيره.
وجاءت رواية المذبحة للأديب أحمد عامر لتقدم الأحداث عبر بناء روائي ينتقل بالقارئ بين أهم محطات يوم الفض ومشاهده الدموية، مع خطاب حاد يرفض الحياد تجاه الجريمة، ويتمسك بشعار سنحيا كراما فكرة والأفكار لا تموت، بوصفه أساسا لمقاومة القتل والنسيان.
“المذبحة”
13 أغسطس 2022، عرضت منصة “أرك ستوريز” الوثائقية فيلمًا وثائقيًا بعنوان “المذبحة” وذلك بمناسبة مرور تسع سنوات على المجزرة، ويستعرض العمل أبرز المحطات في مسيرة المذبحة منذ 30 يونيو 2013 واحتجاز الرئيس مرسي وبيان 3 يوليو.
العمل استعرض بعض المواقف الرافضة لما تم في المجزرة، ومنها موقف نائب الرئيس آنذاك محمد البرادعي الذي قدم استقالته تنديدًا لدموية عملية الفض والخسائر الفادحة التي منيت بها على حساب أرواح المصريين ودمائهم، فضلًا عن شهادات المنظمات الدولية بشأن بشاعة هذا اليوم وكارثيته على المنظومة الحقوقية بشكل عام.
تقارير تثبت القتل الممنهج
في 12 أغسطس 2014، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها حسب الخطة مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر في نحو 188 صفحة، موثقة استخدام الشرطة والجيش الذخيرة الحية بصورة ممنهجة ضد حشود المعارضين، وما نتج عنه من مئات القتلى وأعداد أكبر من المصابين.
وخلصت المنظمة إلى أن القتل الممنهج وواسع النطاق لما لا يقل عن 1150 متظاهرا خلال يوليو وأغسطس 2013 يرجح أن يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مؤكدة أن ما جرى لم يكن مجرد إفراط عارض في القوة أو نتيجة ضعف التدريب، بل حملة عنيفة خُطط لها في مستويات حكومية عليا.
ووصف المدير التنفيذي للمنظمة آنذاك كينيث روث فض رابعة بأنه من أكبر وقائع قتل المتظاهرين خلال يوم واحد في التاريخ الحديث، وطالب بمساءلة المسؤولين الذين ظل عدد منهم في مناصبه، معتبرا أن حجم العملية وتنظيمها والأسلحة المستخدمة ينفي تقديمها كخطأ ميداني محدود.
واستند التقرير إلى مقابلات مع أكثر من 200 شاهد، بينهم متظاهرون وأطباء وصحفيون مستقلون وسكان من مناطق الأحداث، إلى جانب زيارة مواقع الاحتجاج ومراجعة الأدلة المادية وساعات من المقاطع المصورة وتصريحات المسؤولين، ما منحه ثقلا توثيقيا يتجاوز السجال الإعلامي المحلي.
وفي 15 أغسطس 2018، خصص برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة حلقة بعنوان فض رابعة مجزرة دموية أم إنقاذ لمصر، وعرض مناظرة تناولت أعداد الضحايا وحجم القوة المستخدمة والمواقف الدولية وتحصين المؤسسة العسكرية من المساءلة القانونية.
كما ناقشت الحلقة تعليق الدستور والملاحقات ضد المعارضين واقتحام نقابة الصحفيين وتصريحات السيسي ووزير الداخلية عن الأسلحة داخل الاعتصام، لتضع عملية الفض ضمن تحول أوسع أصاب القانون والإعلام والحياة العامة، ولم يتوقف عند حدود الميدان أو يوم المذبحة وحده.
الصوت يستعيد الذاكرة
قدمت سلسلة شهود على المذبحة شهادات أشخاص عاينوا الفض أو نقلوا تفاصيله عن أقاربهم، فاستعادت الأصوات لحظات الاقتحام ومحاولات إسعاف المصابين والبحث عن المفقودين، ومنحت الناجين مساحة لرواية تجربتهم بعيدا عن الخطاب الرسمي الذي اختزلهم في اتهامات جماعية.
ومن أبرز هذه الأعمال حلقة ماذا لو تركوا اعتصام رابعة من دون فض بالقوة، المبنية على مقال للكاتب وائل قنديل، والتي طرحت سؤالا افتراضيا عن المسار الذي كان يمكن أن تسلكه مصر لو اختارت السلطة التفاوض بدلا من الرصاص.
وربط قنديل ذكرى المذبحة بقلق مستمر على المستقبل وبحزن على دماء أريقت دون محاسبة، معتبرا أن السحابة السوداء القادمة من الماضي لم تنقشع، لأن الشخص الذي اتخذ قرار سفك الدماء واصل اتخاذ قرارات فردية تحمل البلاد أزمات جديدة.
وأضافت سلسلة نساء رابعة، التي أنتجها موقع ميدل إيست آي، بعدا مختلفا للذاكرة، إذ روت ثلاث مصريات أجزاء من تجاربهن أثناء الاعتصام وبعده، وكشفت كيف امتدت آثار المذبحة إلى حياة النساء والأسر، بين الفقد والخوف والملاحقة ومحاولات الاستمرار.
وبينما أنفقت السلطة وإعلامها موارد ضخمة لفرض رواية واحدة، نجحت الكتب والروايات والتقارير والبودكاست في إبقاء سردية الضحايا حاضرة، وحولت الصور والأسماء والشهادات إلى أرشيف يقاوم المحو، ويمنع اختفاء الجريمة خلف مرور السنوات أو صمت المؤسسات.
وتبقى قيمة هذه الأعمال في أنها أعادت للضحايا أسماءهم ووجوههم وحكاياتهم، ووضعت أمام الأجيال المقبلة مادة تساعدها على فهم ما جرى، لتظل الكتب والأفلام والتقارير والأصوات شهودا على المذبحة، وعلى المسؤولين عنها، وعلى عدالة ما تزال مؤجلة.

