بالنسبة إلى الناجين من فض اعتصام رابعة العدوية، لم تتحول أحداث 14 أغسطس 2013 إلى ذكرى بعيدة، فما زالت أصوات الرصاص وصور الجثث ورائحة الدخان والموت تطاردهم، وتقتحم نومهم وحياتهم اليومية دون استئذان. لم تتوقف آثار ذلك اليوم عند ميدان امتلأ بالدماء، بل امتدت إلى عائلات فقدت أبناءها، وناجين اضطروا إلى مغادرة وطنهم، وصحفيين وحقوقيين واجهوا السجن والملاحقة والحجب.
استخدمت قوات الأمن المصرية الذخيرة الحية لفض الاعتصام الذي أقامه ملايين الأنصار من رافضي الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي. وقدرت جماعات حقوقية عدد القتلى بأكثر من 1300شخص، في واحدة من أكبر وقائع قتل المتظاهرين في التاريخ الحديث، بينما قدرت الحكومة العدد بنحو 624 قتيلًا، وسط ترجيحات بأن الرقم الدقيق قد لا يُعرف أبدًا.
جاء الفض بعد ستة أسابيع من استيلاء عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع حينها، على السلطة والانقلاب على الرئيس الشرعي محمد مرسي، الذي انتُخب عقب ثورة يناير 2011. وبينما قالت الحكومة إن الاعتصام ضم آلاف المسلحين وإنها حاولت تفريقه سلميًا، خلصت تحقيقات حقوقية إلى أن معظم المحتجين كانوا غير مسلحين. وقد شكّل القتل الجماعي وما أعقبه من غياب للمحاسبة نقطة تحول في مصر، ورسّخ قبضة الجيش على الحكم واستعداده لاستخدام القوة المميتة للحفاظ عليها.
يوم الفض.. دماء وقناصة ومشرحة امتلأت بالجثث
قبل الفض، تلقى الناشط الحقوقي أحمد سميح دعوة لحضور اجتماع مغلق في وزارة الداخلية، وخرج منه بانطباع قوي بأن العملية ستكون عنيفة. وقال إن تقديرات قوات الأمن كانت تتوقع سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل من الجانبين، وهي أرقام نقلها إلى الصحفيين في ذلك الوقت.
في صباح 14 أغسطس، تحرك سميح عبر القاهرة نحو الميدان لأنه أراد مشاهدة الحقيقة بنفسه. كانت الإطارات تحترق والدخان الأسود يتصاعد، فيما انتشرت الدماء على الأرض والسيارات. وبحلول صباح اليوم التالي، كان قد أحصى أكثر من 152 جثة داخل المشرحة.
لم تنتهِ آثار ما شاهده بانتهاء العملية، إذ تسببت الخلافات بشأن حقيقة ما حدث في قطع علاقته ببعض أصدقائه. ومع تقلص المجال المدني، واصل عمله الحقوقي، لكنه واجه في 2015 اتهامًا بتشغيل محطة إذاعية عبر الإنترنت بصورة غير قانونية، وتعرض مكتبه للتفتيش، وفُرضت عليه غرامة واحتُجز داخل مركز للشرطة.
وفي العام التالي، علم أثناء عمله مراقبًا للانتخابات في أوغندا بأن اسمه مدرج ضمن قائمة مدافعين عن حقوق الإنسان يُنتظر اتهامهم بتلقي تمويل أجنبي غير قانوني. عاد إلى القاهرة لمدة 24 ساعة، ومنح والدته توكيلًا بشأن أصوله، ثم غادر إلى إستونيا. وبعد سنوات من العمل في مشروعات تجارية، بدأ في 2021 العمل مقدمًا تلفزيونيًا بقناة الشرق في إسطنبول، من دون أن يعرف إن كان سيتمكن يومًا من العودة إلى بلاده.
أما الصحفية لينا عطا الله، التي كانت قد أسست مؤسسة «مدى مصر»، فقد وصلت إلى موقع الفض برفقة زميل لها من دون سترات واقية أو معدات حماية. ومع تقدم قوات الأمن، حوصرا وسط حشد بالقرب من مستشفى ميداني، حيث شاهدت الجثث ورجلًا يحمل مجموعة من بطاقات هوية القتلى وأشخاصًا يحاولون إنقاذ بعضهم بعضًا.
وحين اشتد إطلاق الرصاص، عثرت مع زميلها على منفذ، فأمسكا بأيدي بعضهما وركضا. ظلت حدة تلك المشاهد عاجزة عن مغادرة ذاكرتها، وظهرت لاحقًا في صورة ضغط مفاجئ داخل بطنها أو صور تقتحم عقلها أثناء محاولة النوم. وفي الأشهر التالية، أغرقت نفسها في العمل هربًا من اليأس، قبل أن تدرك أن رابعة كانت بداية مرحلة أكثر قسوة.
عائلة فقدت الأب ثم ابتلع السجن ابنها
في صباح الفض، غادر محمد علي، مدير مستشفى وعضو في جماعة الإخوان المسلمين، منزله متجهًا إلى ميدان رابعة، موضحًا لزوجته أمل سليم أنه يريد المساعدة في ضمان خروج النساء والأطفال بأمان. توسلت إليه كي يبقى، لكنه ودعها وطلب منها أن تسامحه إذا قُدر له الموت.
استمرت أمل وابنتها الكبرى سارة في الاتصال به للاطمئنان عليه. وبينما كانت سارة تتحدث معه، انقطع الاتصال فجأة. وعندما أعادت الاتصال، أجاب رجل آخر وأخبرها أن قناصًا أصاب والدها في رأسه وأنه توفي وهي على الهاتف.
طلبت سارة من شقيقها عمر، الذي كان يعمل على توثيق الفوضى داخل رابعة، البحث عن جثمان والدهما. لم يجد له أثرًا في العيادات المؤقتة، فنشرت الأسرة صورته عبر فيسبوك طلبًا للمساعدة. وفي اليوم التالي، تلقت اتصالًا من رقم مجهول يخبرها بأن الجثمان ملقى في شارع جانبي، فعثر عليه عمر وحمله إلى قبره والدماء تغطي ملابسه.
عانى عمر بعد ذلك اكتئابًا عميقًا، لكنه تعهد بمساعدة والدته في إدارة شؤون المنزل ورعاية شقيقتيه الصغيرتين. وبينما كان لا يزال يدرس الهندسة، اعتقلته قوات الأمن بعد سنوات أثناء وجوده في مطعم مع أصدقائه. اعتقدت العائلة في البداية أن الأمر مجرد خطأ في الهوية، لكنها رأت لاحقًا أنه يُعاقب بسبب الموقف السياسي لوالده.
أدين عمر بإفشاء أسرار عسكرية، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 25 عامًا دون فرصة للاستئناف. لم تستطع الأسرة تحمل صدمة فقدان الأب ثم اختفاء الابن خلف القضبان؛ فأصيبت أمل بانهيار عصبي، بينما عانت سارة لاحقًا الهلوسة والارتباك وعدم القدرة على الكلام، ودخلت مستشفى للأمراض النفسية، حيث شُخصت باضطراب ما بعد الصدمة.
ورغم أن الأب كان الوحيد في الأسرة المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإن جميع أفرادها دفعوا الثمن؛ الأب قُتل، والابن سُجن، والأم انهارت نفسيًا، والابنة بقيت تطاردها أسئلة عن سبب معاقبة عائلة كاملة على موقف فرد واحد.
من الميدان إلى المنفى.. حياة تبدأ من الصفر
وصل رجل الأعمال محمد، الذي فضّل استخدام اسم «مو»، إلى رابعة قرابة السادسة والنصف صباحًا. لم يكن عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، لكنه شارك احتجاجًا على ما اعتبره استيلاءً عسكريًا ظالمًا على السلطة.
شاهد محمد شابًا يحتمي خلف شجرة قبل أن تصيبه رصاصة في قلبه، كما رأى مساعد سائق سيارة إسعاف يُقتل بالرصاص رغم ارتدائه الزي الطبي. وفي أثناء محاولة مجموعة من الناجين الفرار متساندين، أُصيب أحدهم، فاضطر رفاقه إلى تركه تحت إطلاق النار.
اعتُقل محمد وأُجبر على تسليم بطاقته الشخصية قبل مغادرة الميدان. وبسبب الصدمة وخوفه من ملاحقة السلطات، غادر إلى الولايات المتحدة بعد ثلاثة أيام، ولم يعد إلى منزله منذ ذلك الوقت. واستخدم اسمًا مستعارًا خلال حديثه خوفًا على أقاربه ومعارفه الموجودين في مصر.
خلال سنوات المنفى، تعرضت أعماله داخل البلاد للهجوم والحرق، كما واجهت أسرته مضايقات إلى أن وافق على التخلي عن أصوله المتبقية. وبعدما كان أحد رجال الأعمال البارزين، وجد نفسه مضطرًا إلى بدء حياته من الصفر بعيدًا عن وطنه.
ويرى محمد أن رابعة مثلت بداية محو الآمال التي صاحبت ثورة 2011، ورسالة حاسمة بأن حرية التفكير والاحتجاج لن تكون مسموحة. وهي خلاصة تتقاطع مع تجارب بقية الشهود؛ فبعض أصدقاء لينا عطا الله سُجنوا، وآخرون غادروا البلاد أو ماتوا منتحرين، بينما حُجب موقع «مدى مصر» في 2017 رغم استمراره في العمل.
بعد كل تلك السنوات، لا يزال الحديث العلني عن رابعة بالغ الصعوبة. فالمجزرة لم تقتل مئات المحتجين فقط، بل قسمت العائلات والأصدقاء، ودفعت ناجين إلى السجن والمنفى، وتركت آخرين أسرى اضطرابات نفسية وذكريات لا تهدأ. وهكذا لم يعد 14 أغسطس يومًا عابرًا في تاريخ مصر، بل لحظة تغيرت بعدها حياة الشهود والبلاد إلى الأبد.

