وثقت تحقيقات حقوقية وإعلامية استخدام السيسي ومسؤولين حكوميين وإعلام موال روايات تخوين وترهيب ضد اعتصامي رابعة والنهضة قبل فضهما في القاهرة يوم 14 أغسطس 2013، بما هيأ لقبول قمع قتل 904 محتجين على الأقل.

 

وتعيد هذه الوقائع طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت الحملة مجرد انحياز إعلامي عابر، أم بناء منظما لصورة عدو منزوع الإنسانية، يسمح بتقديم القتل الجماعي باعتباره استعادة للدولة، لا جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة.

 

 

بناء صورة العدو

 

في البداية، طلب السيسي يوم 24 يوليو 2013 من المصريين النزول لمنحه تفويضا لمواجهة ما سماه العنف والإرهاب، فانتقل توصيف خصوم السلطة من محتجين يعترضون على عزل رئيس منتخب إلى خطر أمني مفتوح.

 

وبعد ذلك، استند مجلس الوزراء في 31 يوليو إلى ما وصفه بالتفويض الشعبي، ومنح وزير الداخلية سلطة اتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء الاعتصامين، قبل اعتماد مجلس الدفاع الوطني خطة الفض في 4 أغسطس.

 

وبالتوازي، كرر مسؤولون أن الاعتصامين عطلا حياة السكان وأثارا التحريض الطائفي ووفرا مكانا لاحتجاز الخصوم وتعذيبهم، ثم جُمعت هذه الاتهامات المختلفة داخل عنوان واحد هو مكافحة الإرهاب، بما ألغى التمييز بين الأفراد.

 

وعلى نحو أوسع، أغلقت السلطات قنوات مؤيدة للرئيس محمد مرسي، بينما ضاقت المساحة أمام الأصوات الناقدة، فباتت رواية المؤسسات الرسمية تتكرر عبر الشاشات والصحف من دون منافسة متكافئة أو تحقيق مستقل في الادعاءات.

 

وفي المقابل، وصف أستاذ الإعلام محمد المصري المشهد الإعلامي آنذاك بأنه أحادي ومثير، وقال إن مؤسسات عديدة تصرفت كأدوات دعاية للحكومة المؤقتة والجيش، مع غياب واضح لمعايير التوازن والإنصاف والاستقلال المهني.

 

ومع ذلك، لم تكن قوة الخطاب في كثرة الادعاءات وحدها، بل في تكرار مفردات الإرهاب والتسليح والخيانة حتى أصبح مجرد البقاء داخل الميدان قرينة إدانة، وتحولت الهوية والانتماء إلى بديل عن إثبات الجريمة الفردية.

 

ولهذا، أدت التغطية التعبوية وظيفة تتجاوز نقل موقف الحكومة، إذ خفضت الحساسية العامة تجاه احتمال سقوط أعداد ضخمة، وقدمت أي اعتراض على الفض بوصفه دفاعا عن جماعة معادية، لا دفاعا عن حق الحياة.

 

وبحسب التسلسل الموثق، جاء التفويض أولا ثم منح الصلاحيات واعتماد الخطة، بينما واصلت المنابر ترديد صورة المعسكر المسلح، وهو تتابع يدعم فرضية التهيئة للقوة لكنه لا يثبت وحده صدور أمر مركزي بصناعة كل شائعة.

 

 

الوقائع تكسر الرواية

 

ومن جهته، خلص تحقيق استمر عاما أجرته هيومن رايتس ووتش إلى أن الشرطة والجيش استخدما القوة القاتلة بصورة منهجية، وأن خطة فض رابعة كانت تتوقع سقوط عدة آلاف، رغم إمكان تجنب خسائر بهذا الحجم.

 

كذلك، وثقت المنظمة مقتل 817 شخصا على الأقل في رابعة و87 في النهضة، بينما رجحت تجاوز حصيلة رابعة وحدها 1000 قتيل، وهي أرقام تناقض وصف العملية الرسمية بأنها فض منضبط ومتدرج.

 

علاوة على ذلك، أفاد عشرات الشهود بأن قوات الأمن والقناصة أطلقوا الذخيرة الحية على حشود كان معظمها سلميا منذ الدقائق الأولى، واستمر إطلاق النار ساعات، بما يهدم ادعاء أن القوة القاتلة كانت ردا محدودا.

 

والأهم، أعلنت وزارة الداخلية العثور في رابعة على 9 أسلحة آلية ومسدس و5 أسلحة محلية، وهي كمية محدودة قياسا بعشرات الآلاف داخل الاعتصام، ولم تقدم دليلا يؤيد زعم خروج أعداد كبيرة بأسلحتها.

 

وبناء على ذلك، فإن وجود مسلحين محدودين أو صدور نيران من بعض المحتجين لا يحول التجمع كله إلى هدف مشروع، ولا يبرر إطلاق النار الكثيف على حشود واسعة أو إصابة أشخاص عزل في مواضع قاتلة.

 

فيما أثبت التحقيق أيضا وقوع احتجاز وضرب وانتهاكات ارتكبها بعض المشاركين بحق أشخاص اشتبهوا في تعاونهم مع الأمن، فإنه شدد على أن الرد القانوني كان التحقيق مع المسؤولين ومحاكمتهم، لا معاقبة الاعتصام جماعيا.

 

أما هذه الوقائع، فتمنع استبدال دعاية بدعاية، لأن توثيق جرائم فردية داخل الاعتصامين واجب لا يسقط، لكنه يكشف أيضا أن تضخيمها وتعميمها على آلاف الرجال والنساء والأطفال استخدم لتسويغ قوة غير متناسبة.

 

وعند بدء الفض، لم توفر القوات مسارا آمنا وفعالا طوال العملية يتناسب مع حجم الحشود، وأطلقت النار على مناطق مكتظة ومرافق طبية، وفقا لشهادات وأدلة جمعتها منظمات حقوقية، ما ضاعف أعداد الضحايا والمصابين.

 

لاحقا، اعتبر كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لهيومن رايتس ووتش، أن القتل المنهجي والواسع للمحتجين يرجح بلوغه مستوى الجرائم ضد الإنسانية، مؤكدا أن وجود مسلحين في حالات محدودة لا يبرر الهجوم المفرط والمتعمد.

 

 

الدعاية تمهد للإفلات

 

ومن ثم، لم تتوقف صناعة الرواية بعد الفض، إذ وزعت وزارة الخارجية ملفا بعنوان مصر تحارب الإرهاب، تضمن صورا ومقاطع نسبت إلى مؤيدي الإخوان من دون بيان مصادرها أو طريقة التحقق من صحتها وسياقها.

 

رغم ذلك، قُدمت المواجهة خارجيا باعتبارها حربا مع الإرهاب لا نزاعا حول السلطة وحقوق التظاهر، كما وزعت المؤسسة العسكرية مادة مصورة باللغة الإنجليزية تزعم أن الاعتصامين معسكران لتدريب مسلحين وتهديد الدولة.

 

إضافة إلى ذلك، ساعدت هذه الصياغة على نقل النقاش من سؤال التناسب والمحاسبة إلى سؤال الولاء، فصار من يطالب بتحقيق مستقل معرضا للتخوين، بينما جرى تثبيت بطولة الأجهزة الأمنية في الذاكرة الرسمية وحجب روايات الضحايا.

 

وفي السياق نفسه، أغلقت منافذ إعلامية وسُجن صحفيون وواجهت التغطية المخالفة اتهامات بنشر أخبار كاذبة، الأمر الذي حرم الجمهور من اختبار الرواية الرسمية أمام أدلة مضادة، ورسخ احتكار السلطة لتعريف الحقيقة والجريمة والضحية.

 

عمليا، قالت منظمة العفو الدولية إن الإفلات من العقاب بعد قتل أكثر من 900 شخص في رابعة والنهضة أطلق اعتداء واسعا على المعارضة السلمية، وأضعف ضمانات المحاكمة العادلة، وفتح الباب أمام قسوة ممتدة داخل السجون.

 

لذلك، شدد الحقوقي جاسر عبد الرازق على استحالة بناء سيادة القانون والاستقرار من دون محاسبة المسؤولين عن أكبر وقائع القتل الجماعي في تاريخ مصر الحديث، مطالبا بتحقيق مستقل يتتبع المسؤولية عبر سلسلة القيادة.

 

وبالنتيجة، لا توجد وثيقة علنية تثبت أن السيسي أملى شخصيا كل إشاعة بثها الإعلام، لكن خطابه عن التفويض والإرهاب، وقرارات الحكومة، وتوحيد الرسائل، وإقصاء الأصوات المخالفة تكشف منظومة تهيئة متماسكة سبقت المذبحة.

 

وأخيرا، تشير الأدلة إلى أن التشويه كان مهندسا وظيفيا على الأقل، لأنه صنع موافقة اجتماعية على القمع وطمس الفارق بين المحتج والمسلح، ثم استُخدم بعد الدماء لحماية المسؤولين وترك الآلاف من القتلى موثقين بلا عدالة.