أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة ارتفاع حصيلة القتلى منذ 8 أكتوبر 2023 إلى 73 ألفا و381 فلسطينيا، بعد تسجيل 4 قتلى خلال 24 ساعة، فيما بلغت حصيلة القتلى منذ اتفاق وقف إطلاق النار 1254 فلسطينيا.
وتكشف الأرقام أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى مظلة حقيقية لحماية المدنيين، بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن القصف والهدم وتعثر الإعمار، في مشهد يجعل الاتفاق عاجزا عن وقف النزيف أو إعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
هدنة تحت القصف
وبحسب وزارة الصحة استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 4 قتلى بينهم فلسطينيان توفيا متأثرين بإصابتيهما وآخران انتشلت جثتاهما، إضافة إلى إصابة جديدة بينما لا يزال ضحايا آخرون تحت الأنقاض وفي الطرقات.
وفي المقابل ارتفعت حصيلة المصابين منذ بداية الحرب إلى 174 ألفا و231 جريحا، فيما تقول الوزارة إن صعوبة وصول طواقم الإسعاف والدفاع المدني إلى بعض المناطق تحول دون حصر العدد النهائي للضحايا وانتشال جميع الجثامين.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 سجلت وزارة الصحة 1254 قتيلا و4121 جريحا نتيجة الخروقات الإسرائيلية، وهي حصيلة تضع مفهوم التهدئة نفسه أمام اختبار قاس بالنسبة إلى سكان القطاع.
وعلاوة على ذلك تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات قصف بصورة شبه يومية رغم الاتفاق، بينما تتداخل الخروقات العسكرية مع أزمة المساعدات وتأخر الإعمار لتبقى حياة الفلسطينيين مرتبطة بهدنة لا تمنحهم ضمانات كافية للأمن أو الاستقرار.
وفي هذا السياق ترى الباحثة غادة جابر أن الانتقال إلى المرحلة الثانية جاء بعد سلسلة طويلة من التعثرات والخلافات، موضحة أن الاتفاق مر بمفاوضات غير مكتملة وأن عددا من الالتزامات لم ينفذ بالصورة المتفق عليها.
كما تشير جابر إلى استمرار الضربات الإسرائيلية وسقوط الضحايا خلال فترة التهدئة، معتبرة أن الملفات المرتبطة بإعادة الإعمار وإدخال المساعدات ورفض تهجير الفلسطينيين تظل عناصر أساسية لا يمكن فصلها عن مستقبل الاتفاق واستمراره.
ومن ناحية أخرى لا تقتصر التداعيات على القتلى والجرحى، بعدما تعرض نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في غزة للدمار، فيما قدرت الأمم المتحدة احتياجات إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار وسط تأخر التنفيذ.
وبالتالي يعيش الفلسطينيون بين وقف معلن للنار وواقع ميداني مختلف، إذ لا تزال عائلات تبحث عن جثامين أبنائها تحت الركام بينما ينتظر الناجون إعادة المنازل والمستشفيات والمدارس والخدمات التي دمرتها العمليات الإسرائيلية على مدار سنوات الحرب.
اتفاق يواجه التعطيل
وفي غضون ذلك قال عضو المكتب السياسي لحركة حماس باسم نعيم إن الحركة لا تزال تنتظر ردا رسميا من الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف بشأن التفاهمات المتعلقة بتنفيذ المرحلة الثانية محذرا من تعطيل إسرائيل للاتفاق.
وبحسب نعيم أبدت حماس مرونة كبيرة ووافقت على خارطة طريق جرى التوصل إليها مع ملادينوف والوسطاء، رغم ما وصفه بالصعوبات والمخاطر التي تحيط بالتنفيذ واستمرار التصعيد الإسرائيلي بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول مستقبل القطاع.
ومن ثم غادر وفد الحركة المفاوض القاهرة متوجها إلى إسطنبول لإجراء مشاورات مع قيادتها، بينما تحدث مسؤولون فلسطينيون عن حالة من عدم الارتياح بسبب ما يعتبرونه مماطلة إسرائيلية ومحاولات لعرقلة التفاهمات عبر استمرار العمليات العسكرية.
إضافة إلى ذلك يتمحور أحد أبرز الخلافات حول سلاح حماس، إذ تتمسك إسرائيل بنزعه بصورة كاملة بينما أبدت الحركة استعدادا لمناقشة تجميده أو تخزينه وفق ترتيبات محددة دون القبول بالتخلي الدائم عنه بالشروط الإسرائيلية المطروحة.
وفي قراءة للمشهد يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد أن المماطلة الإسرائيلية ترتبط بما تحمله المرحلة الثانية من استحقاقات تتجاوز الملف الأمني وتشمل الانسحاب وفتح المعابر والشروع في إعادة إعمار القطاع المدمر.
غير أن استمرار الخلاف بشأن السلاح يهدد بتحويل هذا الملف إلى بوابة لتعطيل بقية الاستحقاقات، خصوصا مع ربط الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات المرحلة التالية بمطالب نزع السلاح التي تختلف عن الصيغ التي تقول الفصائل إنها ناقشتها مع الوسطاء.
وبناء على ذلك تطالب حماس الوسطاء في مصر وقطر وتركيا بالضغط لوقف القصف والاغتيالات وتدمير المنازل والسماح بدخول الغذاء والدواء والوقود، إلى جانب تسريع بدء عمل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة القطاع والإغاثة والتعافي والإعمار.
وفي الوقت نفسه ينتظر أن ترتبط الخطوات المقبلة بدور اللجنة الوطنية وقوات الاستقرار الدولية وترتيبات الانسحاب، وهي ملفات تجعل استمرار القصف عقبة تتجاوز الخسائر البشرية اليومية إلى تهديد البنية الأساسية للمرحلة التالية من الاتفاق.
الضفة تحت الهدم
وبالتوازي مع التطورات في غزة هدمت القوات الإسرائيلية 3 منازل فلسطينية في محافظة بيت لحم بالضفة الغربية، بينها منزلان في بلدة نحالين ومنزل في قرية المنية، فيما أصيب عدد من السكان بحالات اختناق.
وفي بلدة نحالين اقتحمت القوات الإسرائيلية منطقة قرنة الدعمس برفقة جرافات وبدأت هدم منزلين من طابقين يعودان إلى أحمد محمد نجاجرة ومحمد يوسف عوض بذريعة البناء دون ترخيص بعدما تلقى المالكان إخطارا سابقا بالهدم.
أما في قرية المنية فأجبرت القوات الإسرائيلية المسن عبد ربه محمود كوازبة على مغادرة منزله البالغة مساحته 150 مترا مربعا قبل هدمه، بالتزامن مع إغلاق المنطقة وإطلاق الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت تجاه المواطنين.
وفوق ذلك جاءت عمليات الهدم ضمن سياق أوسع إذ أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن السلطات الإسرائيلية نفذت خلال شهر واحد 80 عملية هدم طالت 165 منشأة فلسطينية بينها 80 منزلا مأهولا بالسكان.
وفي هذا الإطار يؤكد الفلسطينيون أن الحصول على تراخيص بناء في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة يكاد يكون مستحيلا بسبب القيود المفروضة، ما يجعل ذريعة البناء دون ترخيص أداة مستمرة لهدم المنازل والمنشآت الفلسطينية.
ومن جهة أخرى تزامنت عمليات الهدم مع استمرار الاعتداءات في الضفة الغربية التي أوقعت منذ بداية الحرب أكثر من 1182 قتيلا ونحو 13 ألف مصاب، إلى جانب اعتقال قرابة 24 ألف فلسطيني وفق بيانات رسمية فلسطينية.
ولذلك تبدو تطورات غزة والضفة جزءا من مشهد واحد تتزامن فيه مفاوضات وقف النار مع سقوط الضحايا وهدم المنازل، بينما تتسع الفجوة بين التعهدات الدبلوماسية والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت القصف والتهجير وفقدان الممتلكات.
وفي المحصلة تضع حصيلة 73 ألفا و381 قتيلا الاتفاق أمام سؤال جوهري حول قدرته على إنهاء الحرب فعليا، بعدما استمر سقوط الضحايا وبلغ عدد القتلى منذ بدء وقف إطلاق النار وحده 1254 فلسطينيا.
وأخيرا يبقى الانتقال إلى مرحلة جديدة بلا قيمة إنسانية ما لم يتوقف قتل المدنيين وتبدأ إعادة الإعمار وتفتح المعابر وتضمن المساعدات، لأن وقف إطلاق النار الذي يستمر خلاله سقوط القتلى وهدم المنازل يظل اتفاقا منقوصا على الأرض.

