اعتمدت محافظة سوهاج حدا أدنى قدره 260 درجة للقبول بالصف الأول الثانوي العام خلال العام الدراسي 2026 و2027، ما أثار غضب الأسر وهدد بحرمان طلاب متفوقين من استكمال المسار التعليمي الذي يطمحون إليه.
سياسيا، يكشف القرار كيف تتحول محدودية المدارس وعجز الدولة عن زيادة الفصول إلى عقوبة يدفعها الطلاب، بينما تفرض الجغرافيا على أبناء سوهاج شروطا أقسى من محافظات أخرى، في انتهاك واضح لمبدأ تكافؤ الفرص.
بوابة مرتفعة أمام الطلاب
وبداية، جاء اعتماد الحد الأدنى بناء على مقترح قدمته إدارتا التخطيط والتعليم الثانوي بمديرية التربية والتعليم، بعد دراسة نتائج الشهادة الإعدادية والطاقة الاستيعابية للمدارس والكثافات الطلابية داخل الإدارات التعليمية المختلفة بالمحافظة.
وفي المقابل، قال اللواء طارق راشد محافظ سوهاج إن القرار يستهدف تحقيق التوازن بين أعداد الطلاب والإمكانات المتاحة، مؤكدا أن تحديد 260 درجة راعى نسب النجاح الفعلية وعدد الأماكن المتوافرة بالمدارس الثانوية.
غير أن تفسير المحافظة لم يقنع أولياء الأمور، الذين اعتبروا أن معالجة نقص الأماكن برفع درجات القبول تعني استبعاد الطلاب بدلا من توفير فصول جديدة، وتحميل الأسر مسؤولية عجز لم تتسبب فيه.
وعلى إثر ذلك، طالب طلاب الشهادة الإعدادية وأسرهم المحافظ بإعادة دراسة القرار، مؤكدين أن الحد المعلن يقلص فرص الالتحاق بالتعليم الثانوي العام، ويدفع أعدادا كبيرة نحو مسارات لا تتوافق مع رغباتهم.
وفي الوقت نفسه، أوضح أولياء الأمور أن مجاميع عدد كبير من الطلاب المجتهدين تتراوح بين 240 و250 درجة، وهي درجات مرتفعة تكشف تفوقهم، لكنها لا تكفي لعبور حاجز القبول الجديد داخل سوهاج.
إضافة إلى ذلك، لا يقتصر أثر الاستبعاد على تغيير نوع المدرسة، بل قد يفرض على الأسرة مصروفات إضافية للالتحاق بالتعليم الخاص أو الخدمات، في محافظة تعاني قطاعات واسعة منها أوضاعا اقتصادية ومعيشية صعبة.
وفوق ذلك، يخشى الطلاب أن يقود إغلاق باب الثانوي العام أمامهم إلى تخصصات فنية لم يختاروها، بما يغير مسارهم الدراسي والمهني مبكرا، لمجرد أن المحافظة لا تملك عددا كافيا من المقاعد.
ومن ناحية أخرى، أكد الأهالي أنهم لا يطالبون بتخفيض غير عادل، وإنما بمرحلة تنسيق إضافية تمنح الطلاب فرصة بحسب الأماكن المتبقية، وتمنع تحول فارق محدود في الدرجات إلى حاجز دائم أمام طموحاتهم.
نتيجة لذلك، أصبحت درجة واحدة قادرة على تقرير مستقبل الطالب، بينما لا تعكس المجاميع وحدها قدراته أو ظروفه، خاصة في ظل اختلاف مستويات المدارس والدروس المتاحة والبيئات التعليمية بين المراكز والقرى.
فوارق جغرافية صارخة
وبالتزامن، تصدرت سوهاج قائمة المحافظات الأعلى في الحد الأدنى للقبول بالثانوي العام، متقدمة على كفر الشيخ التي حددت 246 درجة، والدقهلية التي اعتمدت 245 درجة للطلاب المنتظمين.
وبحسب البيانات المعلنة، بلغ الحد الأدنى 240 درجة في الوادي الجديد والأقصر والبحيرة والقليوبية، بينما حددته بورسعيد عند 238 درجة، وقنا عند 237 درجة، بفوارق واضحة عن سوهاج.
كذلك، اعتمدت المنوفية وبني سويف 236 درجة، فيما حددت دمياط 235 درجة للثانوي العام، وهو المستوى نفسه في الشرقية، بينما انخفض الحد في الغربية إلى 234 درجة فقط.
ولهذا، يتساءل أولياء الأمور عن سبب مطالبة طالب سوهاج بتحقيق مجموع يزيد بين 15 و26 درجة على طلاب محافظات قريبة، رغم أن الشهادة الإعدادية مرحلة تعليمية موحدة يفترض أن توفر فرصا متقاربة.
علاوة على ذلك، بلغ الحد الأدنى في جنوب سيناء 230 درجة بمعظم الإدارات، وهي الدرجة نفسها المقررة في الجيزة، بينما اعتمدت أسيوط المجاورة لسوهاج 228 درجة، بفارق يصل إلى 32 درجة.
وبناء على ذلك، لا يبدو تنسيق القبول معيارا وطنيا موحدا لقياس استحقاق الطالب، بل نتيجة مباشرة لعدد الفصول والكثافات داخل كل محافظة، ما يجعل فرصة التعليم مرتبطة بمكان الإقامة لا بالمجموع وحده.
ومن ثم، يدفع أبناء المحافظات التي تعاني نقص المدارس ثمن ضعف الاستثمار الحكومي في البنية التعليمية، بينما يحصل طالب بمجموع أقل في محافظة أخرى على المسار الذي يحرم منه طالب سوهاج الأعلى درجات.
في غضون ذلك، تتسع الفوارق عند مقارنة سوهاج بالقاهرة والمنيا اللتين حددتا 225 درجة، أو الإسكندرية التي اعتمدت 215 درجة، بما يصل بالفارق إلى 45 درجة بين طلاب المرحلة التعليمية نفسها.
وعليه، لا يمكن تبرير هذا التفاوت بمجرد اختلاف نسب النجاح، لأن العدالة تفرض زيادة الطاقة الاستيعابية وتوزيع الموارد وفقا لأعداد السكان، بدلا من تقليص فرص الطلاب لتناسب عدد المقاعد المحدود.
الغش يطارد النتائج
في المقابل، أعاد ارتفاع الحد الأدنى فتح ملف نزاهة امتحانات الشهادة الإعدادية، بعدما ربط أولياء أمور بين تضخم المجاميع وما تردد عن الغش الجماعي أو التساهل في التصحيح ورصد الدرجات ببعض اللجان.
ووفقا للمخاوف المطروحة، يرفع الغش الجماعي أعداد الحاصلين على الدرجات المرتفعة بصورة غير حقيقية، فتضطر المحافظة إلى زيادة الحد الأدنى، بينما يدفع الطالب الملتزم ثمن نتائج لم تتحقق في ظروف عادلة.
مع ذلك، لا يجوز اتهام الطلاب أو اللجان بصورة جماعية من دون تحقيق موثق، لكن الجدل يفرض على مديرية التعليم إعلان إجراءاتها لمكافحة الغش ومراجعة النتائج غير المعتادة والكشف عن أي مخالفات مثبتة.
أما التساهل في التصحيح والرصد، فقد يؤدي إلى النتيجة نفسها حتى دون تسريب أو غش مباشر، إذ تتضخم المجاميع ويصبح التنسيق سباقا رقميا لا يعبر بدقة عن الفروق الحقيقية بين مستويات الطلاب.
كما أن تجاهل الشبهات والاكتفاء برفع التنسيق لا يعالج أصل الخلل، بل يمنح المستفيد من الغش فرصة أفضل، ويحرم طالبا حصل على مجموعه بجهده من دخول الثانوي العام بسبب ارتفاع الحد.
في سياق مواز، تحتاج المحافظة إلى نشر أعداد الناجحين وشرائح المجاميع والطاقة الاستيعابية لكل إدارة تعليمية، حتى يستطيع الأهالي تقييم الأساس الذي بني عليه رقم 260 درجة ومدى إمكان تخفيضه لاحقا.
ولزيادة الشفافية، ينبغي إعلان عدد المقاعد الشاغرة بعد المرحلة الأولى، وفتح مرحلة ثانية إذا سمحت الكثافات، مع بحث حلول مؤقتة كتوسيع الفصول والاستفادة من المدارس القريبة بنظام لا يضر جودة التعليم.
لذلك، تقع المسؤولية على وزارتي التربية والتعليم والمالية في توفير مبان ومعلمين وفصول تتناسب مع أعداد الطلاب، فلا يصبح تقليص القبول أداة دائمة لإخفاء العجز، ولا يتحول الثانوي العام إلى امتياز جغرافي.
وأخيرا، يضع تنسيق 260 درجة آلاف الأسر أمام اختيار قاس بين التخلي عن حلم أبنائها أو تحمل كلفة بدائل أخرى، بينما يبقى الحل العادل في خفض مدروس وتوسيع المقاعد والتحقيق الجدي في مخالفات الامتحانات.

