حذر مراقبون في مصر من أن تمديد المجالس النقابية المنتخبة لدورة 2022-2026، بقرار حكومي وتشريعي، يحول الانتخابات العمالية إلى إجراء مؤجل ويضمن بقاء القيادات التقليدية الموالية داخل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

 

ويكشف هذا التمديد في سياقه السياسي والإنساني سلطة تخشى صوت العامل المستقل، وتريد مصادرة حقه في الاختيار، بينما يواجه ملايين المصريين أجوراً متآكلة وغلاءً خانقاً وشروط عمل قاسية بلا تمثيل حقيقي يدافع عنهم.

 

هندسة التمديد النقابي

 

وبحسب مراقبين، لا تبدو مبررات المؤتمرات الدولية وبرامج التدريب وتحقيق الاتساق المؤسسي أسباباً فنية مقنعة، بل غطاءً إدارياً لعملية محسوبة تعيد ترتيب المجال النقابي بما يحفظ مواقع القيادات القريبة من السلطة ويغلق أبواب المنافسة.

 

وفي المقابل، كان يفترض أن تنتهي الدورة النقابية الحالية بانتخابات تسمح للعمال بمحاسبة ممثليهم وتجديد قياداتهم، لكن التمديد انتزع هذه اللحظة من الجمعيات العمومية ومنح السلطة التنفيذية فرصة إضافية لضبط المشهد قبل فتح صناديق الاقتراع.

 

وبالتالي، يتحول الاستقرار الذي تروجه الحكومة إلى تجميد سياسي مقصود، لأن استمرار المجالس القائمة لا يحمي المؤسسات بقدر ما يحمي شبكة مصالح تستفيد من ضعف الرقابة العمالية وغياب الأصوات القادرة على تنظيم الاحتجاجات.

 

كما أن القرار يصطدم بالاتفاقيتين الدوليتين 87 و98 اللتين صدقت عليهما مصر، إذ تضمنان حرية التنظيم النقابي وحق العمال في اختيار ممثليهم دون تدخل من الحكومة أو وصاية تفرضها الأجهزة الإدارية والأمنية.

 

وفوق ذلك، يمثل التمديد التفافاً على المادتين 76 و77 من الدستور، لأن استقلال النقابات وإدارتها ديمقراطياً يفترضان أن تحدد قواعدها العمالية مدد المجالس وآليات انتخابها، لا أن تقرر السلطة تمديدها وفق حساباتها السياسية.

 

ومن ناحية أخرى، يسلب هذا المسار الجمعيات العمومية صلاحيتها الأصيلة في تقييم أداء القيادات وعزل المقصرين، ويحول اللوائح الداخلية إلى نصوص هامشية يمكن تجاوزها كلما تعارضت إرادة العمال مع رغبة الحكومة في الإبقاء على المضمونين.

 

وبالتزامن مع ذلك، تتزايد الأعباء المالية الناتجة عن كثرة الوفود الرسمية إلى المؤتمرات الخارجية، من دون مردود واضح على الأجور أو السلامة المهنية، بما يجعل التمثيل الدولي باباً للإنفاق أكثر من كونه أداة لتحسين حياة العمال.

 

أما في الداخل، فلا يجد العامل الذي يواجه الفصل أو الإصابة أو تدهور الأجر نقابة قادرة على المواجهة، لأن البنية الرسمية المشغولة بالمؤتمرات والولاء الإداري انفصلت تدريجياً عن القواعد التي يفترض أن تمثل مصالحها.

 

ومن ثم، لا يمكن فصل التمديد عن مشروع أوسع لمأسسة الطاعة داخل الحركة العمالية، بحيث تصبح النقابات جزءاً من جهاز الضبط الاجتماعي، لا مساحة مستقلة للتفاوض الجماعي أو الاعتراض على السياسات الاقتصادية التي تسحق المواطنين.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو النتيجة المباشرة إطالة عمر مجالس فقدت تفويضها الزمني، وتأجيل اختبار شعبيتها، وإرسال رسالة قاسية إلى العمال بأن حقهم الدستوري في التنظيم يمكن تعليقه حين ترى السلطة أن الانتخابات لا تضمن النتائج المطلوبة.

 

إقصاء الأصوات المستقلة

 

تكشف قراءة للدورة 2022-2026 أن الانتخابات النقابية لم تجر في بيئة تنافسية حقيقية، بعدما تعرض مرشحون مستقلون للاستبعاد والشطب بواسطة وزارة العمل وجهات أمنية، فتحولت صناديق الاقتراع إلى واجهة شكلية تخفي هندسة مسبقة للنتائج.

 

إلى جانب ذلك، أدى نقل اختصاص الفصل في الطعون من محاكم مجلس الدولة إلى المحاكم العمالية إلى إضعاف الرقابة القضائية الفعالة، وإطالة أمد التظلمات، وترك المرشحين المستبعدين أمام مسارات بطيئة لا تعيد إليهم حقوقهم في الوقت المناسب.

 

كذلك، عمق تعليق الجمعيات العمومية في بعض النقابات المستقلة أزمة الشرعية، ومن بينها كيانات تمثل العاملين في الإسعاف والنقل البري وقناة السويس، إذ جرى تعطيل أدوات المشاركة التي تمنح الأعضاء سلطة القرار والمحاسبة.

 

غير أن الاستبعاد لا يقتصر على إجراءات الانتخابات، بل يمتد إلى ملاحقة نقابيين داخل مواقع العمل، واستخدام الجزاءات والملفات الإدارية القديمة لإضعاف الأصوات التي ترفض الخضوع أو تحاول بناء تمثيل عمالي مستقل عن السلطة.

 

وفي هذا السياق، أثارت قضية عمرو الحديدي، نائب رئيس اللجنة النقابية للعاملين بشركة الإسكندرية للزيوت المعدنية، احتجاجات ضد إجراءات عقابية استندت إلى وقائع تعود إلى 2022، بعد مرور دورة نقابية كاملة على تلك الوقائع.

 

وعليه، يرى المدافعون عنه أن إعادة فتح ملفات قديمة ليست مساءلة مهنية محايدة، وإنما تصفية انتخابية تستخدم البيروقراطية لإرهاب المستقلين وإبعادهم، بما يقوض مبدأ استقرار المراكز النقابية ويجعل العقوبة سيفاً مؤجلاً فوق المعارضين.

 

وعلاوة على ذلك، يكشف هذا النموذج كيف تعمل الثغرات القانونية جنباً إلى جنب مع التدخل الإداري، فحين تعجز السلطة عن منع الصوت المستقل بالنص الصريح، تستخدم التأخير والشطب والجزاءات لتعطيل نشاطه واستنزاف قدرته على المواجهة.

 

وبناءً على ذلك، تصبح الانتخابات بلا منافسة حقيقية مجرد ديكور مؤسسي، وتتحول النقابة من أداة دفاع جماعي إلى واجهة تمنح السياسات الحكومية مظهراً تشاورياً، بينما تظل القرارات الأساسية بعيدة عن إرادة العمال ومصالحهم اليومية.

 

خريطة الإصلاح البديل

 

طرحت لجنة الحريات بدار الخدمات النقابية والعمالية مسودة تعديلات تستهدف إنهاء الوصاية الإدارية، وتوسيع مفهوم العامل ليشمل عمال المنصات الرقمية والعمالة غير المنتظمة، بدلاً من حصر الحماية القانونية في فئات تقليدية تجاوزها الواقع الاقتصادي.

 

ولزيادة استقلال التنظيم، طالبت اللجنة بمنح الجمعيات العمومية السيادة الكاملة على لوائحها الداخلية، وقصر النماذج التي تصدرها وزارة العمل على دور استشاري غير ملزم، حتى لا تتحول التعليمات الوزارية إلى دساتير مفروضة على النقابات.

 

ولحماية الكيانات، دعت المقترحات إلى حذف عبارة لكل ذي مصلحة من قواعد طلب الحل، ومنع إنهاء أي منظمة نقابية إلا بقرار صادر عن جمعيتها العمومية، بما يغلق الباب أمام الخصومات الخارجية والحلول التعسفية.

 

أما بشأن التأسيس، فاقترحت اللجنة خفض الحد الأدنى لإنشاء لجنة نقابية داخل المنشأة من 50 عضواً إلى 20 عضواً، حتى يتمكن عمال الورش والمصانع الصغيرة من التنظيم، وتتسع التعددية خارج الكيانات الرسمية الكبيرة.

 

وفيما يتعلق بالبنية، طالبت المسودة بإلغاء المستويات النقابية التي تهمش اللجان القاعدية، ومنح هذه اللجان حرية تشكيل الاتحادات أو الانضمام إليها، مع إسقاط القيود الصعبة التي تجعل تأسيس الاتحادات العامة المستقلة شبه مستحيل.

 

ولمعالجة التسجيل، اقترحت اللجنة تقليص سلطة وزارة العمل، واعتماد الإخطار أمام المحكمة، ومنح النقابة 30 يوماً لاستكمال الأوراق الناقصة، مع استمرار نشاطها أثناء النزاع بدلاً من تجميدها حتى صدور الحكم.

 

وأخيراً، تضع هذه المقترحات الصراع أمام حدوده الواضحة، حكومة تريد نقابات منضبطة تساند سياساتها، وحركة استقلال تطالب بتنظيم ديمقراطي يحمي العامل المصري، ويعيد للجمعيات العمومية سلطتها، ويجعل التمثيل وسيلة للدفاع لا باباً للوصاية.