قدمت الحكومة إلى مجلس النواب في مطلع شهر يوليو الجاري مشروع قانون لإعادة تنظيم "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، مما أثار جدلاً في مصر، في ظل انتقادات ومخاوف عبّر عنها اقتصاديون ومنظمات حقوقية.

 

وتركزت انتقادات الخبراء الاقتصاديين على الصلاحيات والاستثناءات الواسعة الممنوحة للجهاز، إذ انتقد البعض استثناءه من قوانين أساسية مثل قانون الخدمة المدنية، وقانون تنظيم التعاقدات الحكومية، وقانون الحد الأقصى للدخول.

 

ويرى اقتصاديون أن الجهاز بات يمارس أدوارًا هي في الأصل من اختصاص وزارات قائمة (كالزراعة، والري، والتموين، والاستثمار)، علاوة على غياب الرقابة المالية والحوكمة، إذ يشير المنتقدون إلى السماح ببقاء فوائض الجهاز وصناديقه الاستثمارية (مثل صندوق أهرامات النيل) خارج التحويل التلقائي المباشر إلى الخزانة العامة للدولة، مما يصنع دائرة مالية موازية ومستقلة.

 

كما أبدى منتقدون مخاوفهم من غياب آليات واضحة للمساءلة والمشاركة المجتمعية، وتقييد حق المعرفة والتقاضي بشأن الأصول العامة التي يديرها الجهاز، فضلاً عما أثاره بعض النواب من تحفظات حول التوسع في منح الإعفاءات الضريبية والجمركية للشركات التابعة للجهاز، بداعي أن ذلك قد يخل بمبدأ "تكافؤ الفرص" والعدالة التنافسية مع مستثمري القطاع الخاص.

 

كما يخشى بعض المنتقدين من أن يتحول الجهاز إلى كيان مركزي مهيمن على سلاسل الإمداد وتوزيع السلع والدعم، مما قد يقلص دور الأسواق الحرة. إلى جانب ما أبداه أعضاء مجلس النواب حول كيفية فض التشابك بين سلطات الجهاز والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، بالإضافة إلى مخاوف من تمدد سلطة الجهاز على موارد المياه والأراضي دون معايير واضحة أو دراسات جدوى منشورة للعلن.

 

توغل "جهاز مستقبل مصر" في مختلف القطاعات 

 

وفقًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن مشروع القانون المقترح يرسخ لتوغل "جهاز مستقبل مصر" المستمر في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو توسع بدأ خلال السنوات الأخيرة، ومازال مستمرًا حتى اليوم. 

 

لكن الجديد الذي يقدمه المشروع هو إسباغ الصفة القانونية على الممارسات المختلفة للجهاز في مختلف الملفات، من خلال إنشاء كيان اقتصادي وإداري ذي طبيعة خاصة، يستحوذ على الأصول العامة ولكنه يديرها بمنطق المال الخاص. 


ويمنح النص الجهاز تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، واستقلالًا ماليًا وفنيًا وإداريًا؛ كما يجمع في يده سلطات التخطيط، ووضع القواعد، والترخيص، والتخصيص، والاستثمار وإدارة الأصول، والرقابة، والتحصيل. 

 

يضع هذا الجمع الجهاز في موقع الرقيب والمشغل في الوقت نفسه، ويفتح الباب لتداخل مؤسسي كان يفترض أن تضبطه قواعد رقابة وشفافية أوضح. وعلى الرغم من أن مشروع القانون شهدت تعديلات واسعة داخل اللجنة البرلمانية المشتركة، فإن الفلسفة الحاكمة للجهاز ككيان واسع الصلاحيات لا تزال قائمة.

 

استجابة لتحفظات صندوق النقد

 

وقال الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة في مقال نشره موقع "المنصة" تتضمن العديد من الملاحظات حول مساعي نقل تبعية جهاز مستقبل مصر من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية.

 

وربط بين توقيت صدور مشروع القانون بالغ الأهمية والمراجعة السابعة للاتفاق الموقع مع صندوق النقد الدولي، واستجابة للتحفظات التي أبداها الصندوق حول أسلوب إدارة الاقتصاد المصري، إذ دعا الاتفاق الموقع مع الصندوق في 2016 إلى تخفيف قبضة القوات المسلحة على الاقتصاد. 

 

ورأى أن مشروع القانون، الذي ينقل تبعية الجهاز من وزير الدفاع إلى رئيس الجمهورية، هو الاستجابة "المصرية" المعهودة لتوصيات الصندوق بالتظاهر رسميًا بالخضوع لها، بينما لا يتغير الواقع الذي لقي اهتمام الصندوق في شيء.

 

وأوضح السيد أن رسالة الصندوق واضحة بضرورة الانتقال إلى اقتصاد السوق مع أخذ قضايا الحماية الاجتماعية في الاعتبار، معتبرًا أن ما حدث في مصر منذ 2014 لا يقنع أحدًا من خبراء الاقتصاد أو من المواطنين بأن هذا الانتقال قد حدث.

 

لكنه حذر من أن مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب بخصوص إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر يؤدي إلى توسيع دور هذا الجهاز المملوك للدولة وامتداد سيطرته على الموارد المالية للدولة، من خلال كلٍّ من الصندوق السيادي والصندوق الخدمي المزمع إنشاؤهما. 

 

وقال إنه ليس في الإجراءات الأخرى المتخذة بشأن الشركات المملوكة للقوات المسلحة، ما يشير إلى انعقاد النية على إفساح الطريق أمام ملكية أوسع للقطاع الخاص المصري في إدارة شركات لا اعتبارات استراتيجية تبرر استمرار سيطرة القوات المسلحة عليها، كما أن إسهامها ليس كبيرًا في نمو الناتج المحلي في مصر.
 

واستشهد بالصفقة التي أبرمت لمشاركة شركة طاقة المملوكة للسيد أحمد هيكل وآخرين في ملكية شركة جديدة تكون بديلًا عن شركة وطنية التي تدير محطات توزيع للوقود. حصة شركة طاقة بحسب ما هو منشور لن تتجاوز 10% من رأسمال الشركة الجديدة، يمكن أن ترتفع بعد سنوات إلى 25% إذا وافق على ذلك الشركاء الآخرون، الذين سيملكون 90% من رأسمال الشركة الجديدة.

 

وأكد في سياق انتقاداته للتعديلات المطروجة، أن "المشروع المقدم إلى مجلس النواب دليل واضح على أن نمط إدارة الاقتصاد المصري في الفترة القادمة لن يتغير، وليس هناك ما يوحي بأن جهاز مستقبل مصر قدم من الدلائل ما يؤكد أن إدارته لما آلت له ملكيته كان أفضل مما سبقه".

 

ما تركته الدولة للحكومة


وأبدى السيد تحفظه على توسع القوات المسلحة في إقامة مشروعات استصلاح الأراضي وإدارتها أو مصانع لعمل الخبز والمكرونة أو حتى تربية الأسماك، بل وفي امتلاك شركات عاملة في مجال الإعلام المرئي والمسموع، وأخيرًا في إقامة الجامعات مثل جامعة كيان التي أعلن عنها مؤخرًا، "فليس هذا مجالًا مناسبًا للقوات المسلحة".

 

وبين أن الجهاز في صورته الجديدة سيقوم بأدوار تؤديها الوزارات القائمة، ولكنه يتفوق عليها بحكم كونه تابعًا لرئيس الجمهورية. دوره في استصلاح الأراضي وزراعتها تقوم به وزارة الزراعة والتي تُسمى "وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي" ولها خبرة واسعة في هذا المجال، استيراد القمح كانت تقوم به وبنجاح وزارة التضامن. أما الدعوة لأن يكون له نشاط في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقوي فيتقاطع مع اختصاصات وزارتي الري والبترول والطاقة المتجددة، واجتذاب الاستثمارات هو المهمة الموكلة لوزارة الاستثمار. 


وتساءل أستاذ العلوم السياسي مستنكرًا: فلماذا نضحي بالقدرات والخبرات والمعارف التي راكمتها الوزارات والأجهزة لصالح جهاز لم يثبت بعد أنه متخصص في قضايا التنمية المستدامة، وسيضطر حتمًا للتعويل على هذه الوزارات للقيام بمهامه؟