كشفت استغاثات سكان حي الكوثر، الذي يضم 607 عمارات بمنطقة 100 فدان في حدائق أكتوبر، تعطل الاتصالات والإنترنت، وغياب الغاز الطبيعي، وانتشار الصرف المكشوف، بما يحول المشروع السكني إلى بيئة طاردة للأسر.

 

وبينما تروّج الحكومة لمشروعات الإسكان الاجتماعي باعتبارها إنجازًا يوفر حياة كريمة، تكشف أزمة الكوثر فجوة قاسية بين تسليم الوحدات وتوفير مقومات السكن، حيث يُدفع محدودو الدخل إلى الأطراف ثم يُتركون بلا خدمات أساسية.

 

عزلة رقمية مفروضة

 

أوضح السكان أن الخطوط الأرضية لم تدخل الخدمة حتى الآن، فيما تعاني شبكات المحمول ضعفًا حادًا يقطع المكالمات ويعطل الإنترنت، ويجعل التواصل في الحالات الطارئة مهمة شاقة داخل منطقة يفترض أنها مكتملة التخطيط.

 

ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، تتضاعف خطورة الأزمة لأن الطلاب يعتمدون على المنصات التعليمية والبحث الرقمي، بينما يحتاج الموظفون وأصحاب الأعمال إلى اتصال مستقر، وهو ما يحرم الأسر من أدوات الدراسة والعمل الحديثة.

 

كما أن استمرار ضعف الشبكات يدفع السكان إلى شراء باقات إضافية واستخدام أكثر من خط بحثًا عن إشارة، فتتحول الخدمة الرديئة إلى تكلفة شهرية مضاعفة تتحملها أسر اختارت الإسكان الاجتماعي هربًا من أعباء السكن المرتفعة.

 

ولزيادة الضغط، طالب الأهالي رئيس جهاز مدينة حدائق أكتوبر بالتنسيق مع شركات الاتصالات لتخصيص مواقع لأبراج تقوية حديثة، يمكن تصميمها على هيئة نخيل صناعي، بما يحسن التغطية ويحافظ على المظهر الحضاري للمنطقة.

 

وفي هذا السياق، يرى خبير الاتصالات حمدي الليثي أن خدمات المحمول والإنترنت أصبحت جزءًا من أساسيات الحياة اليومية، وأن تطوير البنية التحتية بصورة مستدامة ضرورة لمواكبة الطلب المتزايد، لا خيارًا تجميليًا يمكن تأجيله.

 

وبالتالي، فإن ترك 607 عمارات بتغطية هشة لا يمثل مجرد تقصير فني، بل إخلالًا بحق السكان في خدمة يدفعون ثمنها، خصوصًا أن جهاز تنظيم الاتصالات يتيح قنوات رسمية لتصعيد شكاوى الجودة ضد الشركات.

 

غير أن تحميل السكان وحدهم مسؤولية تقديم الشكاوى يخفي دور جهاز المدينة، الذي يملك التخطيط للأراضي والتنسيق مع المشغلين، وكان عليه إدراج الاتصالات ضمن البنية الأساسية قبل تسكين آلاف الأسر، لا انتظار انفجار الغضب.

 

ومن ثم، يطالب الأهالي بجدول زمني معلن لتوصيل الخطوط الأرضية وتركيب محطات التقوية، مع قياسات ميدانية لجودة الصوت والبيانات، ونشر نتائجها، بدل الاكتفاء بوعود عامة لا تغير واقع الانقطاع اليومي.

 

غاز غائب وأسعار منفلتة

 

وأكد السكان أن الاعتماد على أسطوانات البوتاجاز تحول إلى استنزاف مالي وأمني، بعدما وصل سعر الأسطوانة خارج المستودعات إلى 370 جنيهًا، وسط استغلال بعض البائعين حاجة الأسر وغياب بديل ثابت داخل المنازل.

 

وعلاوة على ذلك، لا تقتصر الأزمة على السعر، إذ تضطر الأسر إلى البحث عن الأسطوانة ونقلها وتخزينها، بما يضاعف المخاطر على كبار السن والأطفال، ويجعل أبسط احتياجات الطهي رهينة لسوق غير منضبط.

 

لذلك، وجه السكان استغاثة إلى شركة ناتجاس وجهاز تنمية مدينة حدائق أكتوبر لإدراج الكوثر ضمن أولويات شبكة الغاز، وإنهاء الإجراءات التنفيذية، باعتبار الخدمة حقًا أساسيًا في تجمع يضم آلاف المواطنين.

 

وبحسب الخبير البترولي مدحت يوسف، فإن ارتفاع أسعار أسطوانات البوتاجاز يدفع المستهلكين إلى التحول نحو الغاز الطبيعي، وهو ما يجعل توسيع الشبكات أكثر إلحاحًا، بدل ترك الأسر بين غلاء الأسطوانات وتأخر التوصيل.

 

ومع ذلك، يكشف استمرار الغياب عن خلل في ترتيب الأولويات، إذ جرى تسليم الوحدات والسماح بتزايد الإشغال دون استكمال مرفق شديد الصلة بالأمان المنزلي، بينما تتحمل الأسر وحدها تكلفة هذا التخطيط الناقص.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي إعلان التنسيق بين الجهاز والشركة، بل يجب نشر موقف الشبكات والموافقات والتمويل ومواعيد التنفيذ لكل مجموعة عمارات، حتى يستطيع السكان محاسبة الجهات المسؤولة على أساس معلومات محددة.

 

فضيحة الصرف المكشوف

 

في المقابل، يواجه سكان الكوثر والنرجس خطرًا أكثر مباشرة بسبب بيارات وبحيرات صرف مكشوفة خلف النرجس 2، إلى جانب قرب محطة المعالجة، ما أدى إلى انتشار الناموس والروائح الخانقة داخل المنازل.

 

وفوق ذلك، يقول الأهالي إن الوضع يتدهور يومًا بعد يوم، خصوصًا ليلًا، حيث تتسلل الروائح إلى الشقق وتنتشر الحشرات بكثافة، بينما يعاني الأطفال وكبار السن والمرضى أعراض الحساسية وضيق التنفس.

 

كما تتجاوز الأزمة حدود الإزعاج، لأن تجمعات المياه الراكدة ومخلفات الصرف تهيئ بيئة لانتشار الحشرات والعدوى، وتضرب الإحساس بالأمان البيئي، وتخفض جودة الحياة والقيمة السكنية للمشروع الذي قدمته الدولة بوصفه مجتمعًا جديدًا.

 

ومن ناحية أخرى، يؤكد الخبير البيئي مجدي علام أن التلوث الهوائي نتاج خليط مستمر من الملوثات، وهو ما يدعم ضرورة التعامل مع الروائح والانبعاثات بوصفها مشكلة بيئية متراكمة لا شكوى موسمية عابرة.

 

وبالمثل، تربط تقارير بيئية رسمية بين خدمات الصرف الصحي المأمونة وحماية الصحة والرفاه، وتحذر دراسات تقييم الأثر من تسرب مياه البيارات إلى المياه الجوفية، بما يستوجب الفحص العاجل لا الإنكار الإداري.

 

ولهذا، يطالب السكان بتغطية البيارات وتجفيف البحيرات وفحص كفاءة محطة المعالجة وقياس الانبعاثات والروائح، مع إعلان نتائج التحاليل البيئية والصحية، بدل إرسال حملات مؤقتة لرش الحشرات تترك أصل المشكلة قائمًا.

 

إضافة إلى ذلك، ينبغي تشكيل لجنة مشتركة تضم جهاز المدينة وشركة الصرف ووزارة البيئة والصحة وممثلين عن السكان، تتولى المعاينة الميدانية وتحديد المسؤوليات المباشرة ووضع خطة ملزمة بمواعيد واضحة للمعالجة.

 

وعلى صعيد المسؤولية السياسية، تفضح أزمات الكوثر نموذجًا متكررًا في المدن الجديدة، حيث تتقدم صور العمارات والافتتاحات على شبكات الخدمات، ثم يُطلب من السكان الصبر بعدما دفعوا ثمن الوحدات وانتقلوا إليها.

 

في الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن جذب السكان إلى أطراف القاهرة بينما يعجزون عن إجراء مكالمة أو تشغيل منصة تعليمية أو الحصول على الغاز أو فتح النوافذ بسبب الروائح والبعوض.

 

وبناءً عليه، تصبح مطالبة الأهالي ليست امتيازًا إضافيًا، بل دفاعًا عن الحد الأدنى من الحق في السكن الملائم، الذي لا يتحقق بجدران وأسقف فقط، وإنما بخدمات آمنة واتصال مستقر وبيئة صحية.

 

وأخيرًا، تحتاج أزمة الكوثر إلى قرارات تنفيذية معلنة لا جولات تصويرية، تبدأ بتوصيل الاتصالات والغاز، وتنتهي بإزالة مصادر الصرف والتلوث، مع محاسبة كل جهة عطلت الخدمات وتركت آلاف الأسر تدفع ثمن الإهمال.