كشفت جمعية رجال الأعمال المصريين عن عجز الأسواق المحلية في الإسكندرية والقاهرة عن خفض أسعار السلع رغم تراجع الدولار إلى 49 جنيها نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن بنسبة 200% مما أدى لاستمرار التضخم المرتفع والفقر.


وبالتالي تعكس هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة فشل النظام الحاكم في حماية المواطنين من جشع الأسواق وتخبط السياسات اللوجستية التي حولت حياة المصريين إلى جحيم لا يطاق في ظل غياب الرقابة الحقيقية على كبار المستوردين.


كما أن استمرار ارتفاع تكاليف التأمين على البضائع المستوردة يمثل عائقا كبيرا أمام أي محاولة لخفض التضخم مما يؤكد أن السلطة لا تملك أي رؤية حقيقية للخروج من النفق المظلم الذي دخلته البلاد.


لزيادة الطين بلة فإن الاعتماد الكلي على الاستيراد جعل الاقتصاد المصري رهينة للتقلبات العالمية والتوترات الجيوسياسية التي يستغلها النظام لتبرير فشله الذريع في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو توفير الحماية اللازمة للطبقات الفقيرة.


لذلك يرى المستهلك المصري نفسه ضحية لوعود حكومية زائفة لم تتحقق على أرض الواقع حيث لا تزال الأسعار تشتعل في المحلات التجارية رغم استقرار سعر الصرف في البنوك الرسمية خلال الأسابيع القليلة الماضية.


أكذوبة انخفاض الأسعار وانهيار القوة الشرائية


ومن ثم يؤكد علي عيسى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين أن ارتفاع تكاليف الشحن لا يزال يضغط بقوة على الأسواق ويمنع انعكاس تراجع الدولار على حياة المواطنين الذين يعانون من انهيار حاد في قدرتهم الشرائية.


غير أن الزيادة الهائلة في رسوم الشحن البحري التي بلغت مستويات قياسية امتصت كافة المكاسب المحققة من تراجع العملة الصعبة مما يضع الحكومة في موقف محرج أمام وعودها المتكررة بخفض أسعار السلع الأساسية.


علاوة على ذلك فإن الحقيقة المرة تشير إلى أن تكلفة الخدمات اللوجستية سواء الشحن البحري أو النقل الداخلي أصبحت المكون الرئيسي في هيكل التكلفة النهائية للمنتجات مما يجعل المواطن البسيط هو من يدفع فاتورة الفشل.


بناء على ذلك تتزايد المخاوف من دخول البلاد في موجة تضخمية جديدة لا يمكن السيطرة عليها إذا لم تتدخل الدولة بشكل حاسم لضبط إيقاع العمليات اللوجستية وتخفيف الأعباء الضريبية والجمركية التي تثقل كاهل المستوردين.


إضافة إلى ذلك تشير التقديرات الرسمية إلى أن أسعار شحن الحاويات القادمة من شرق آسيا قفزت بنسبة 200% مما يعكس حجم الكارثة التي تواجه سلاسل الإمداد المصرية في ظل تجاهل حكومي واضح لهذه الأزمة المتفاقمة.


لوجستيات الفشل وارتفاع تكاليف الشحن البحري


وفضلا عن ذلك فإن الشحنات القادمة من الدول الأوروبية شهدت هي الأخرى زيادة بنسبة 60% مما يعني أن كافة مصادر الاستيراد أصبحت مكلفة للغاية وهو ما يجهض أي أمل في تراجع قريب لمعدلات التضخم.


تبعا لذلك يوضح منتصر زيتون عضو شعبة السيارات أن المستوردين لا يزالون يتعاملون مع مخزون قديم جرى استيراده بأسعار مرتفعة جدا مما يؤخر ظهور أي أثر إيجابي لتراجع سعر صرف الدولار في الأسواق المحلية.


وحيث إن عملية احتساب متوسط التكلفة بين الشحنات القديمة والجديدة تستغرق وقتا طويلا فإن المواطن يظل رهينة لأسعار الماضي المرتفعة بينما تتبخر وعود النظام بالرخاء الاقتصادي الموهوم الذي لا يوجد إلا في التصريحات الإعلامية.


نتيجة لذلك يرى خبراء أن انخفاض الأسعار سيظل حلما بعيد المنال طالما بقيت عناصر تكلفة الاستيراد وفي مقدمتها التأمين والشحن عند مستوياتها الحالية المرتفعة التي تعكس حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة.


بالإضافة إلى ما سبق يشير الخبير الاقتصادي محمد أنيس إلى أن الحرب والتوترات الجيوسياسية رفعت معدلات التضخم في مصر بنحو 3% مما يؤكد هشاشة الاقتصاد المحلي وتأثره الشديد بأي اضطرابات خارجية تقع في المنطقة.


تبريرات المستوردين وتهرب الحكومة من المسؤولية


وعلى الرغم من محاولات النظام تصوير الأزمة كقدر خارجي لا يد له فيه فإن الواقع يثبت أن غياب التخطيط الاستراتيجي وتدمير الصناعة المحلية هو السبب الحقيقي وراء ارتماء مصر في أحضان الاستيراد المكلف والمدمر.


بالمقابل يتهم مراقبون السلطة بالتقاعس عن توفير بدائل لوجستية أرخص أو الضغط على شركات الملاحة العالمية لخفض رسومها مما يعزز الاعتقاد بأن الحكومة شريكة في معاناة الشعب عبر فرض رسوم وضرائب إضافية لا تنتهي.


من ناحية أخرى تبرز أزمة أسعار الوقود كعامل مدمر آخر يزيد من اشتعال النيران في الأسواق حيث تؤدي أي زيادة في أسعار المحروقات إلى قفزات جنونية في تكاليف النقل الداخلي وتوزيع السلع بين المحافظات.


بالمثل فإن فشل السياسات النقدية في السيطرة على الأسواق الموازية بشكل كامل خلق حالة من عدم اليقين لدى التجار الذين يفضلون التمسك بالأسعار المرتفعة تحسبا لأي تقلبات مفاجئة في سعر الصرف أو تكاليف الاستيراد.

 

إلى جانب ذلك يعاني القطاع الخاص من تضييق حكومي مستمر يحد من قدرته على المنافسة أو خفض الأسعار في ظل سيطرة جهات سيادية على مفاصل الاقتصاد وتوجيه الموارد نحو مشاريع خرسانية لا تخدم المواطن.


تأسيسا على ذلك فإن الحديث عن تراجع التضخم إلى مستوى 11% في نهاية عام 2026 يبدو نوعا من الخيال العلمي الذي لا يستند إلى أي معطيات واقعية في ظل استمرار نفس السياسات الاقتصادية الفاشلة.


علاوة على ما ذكر فإن تجاهل الحكومة لمعاناة الملايين الذين سقطوا تحت خط الفقر يعكس فجوة عميقة بين السلطة والشعب الذي لم يعد يثق في أي تصريحات رسمية تتحدث عن تحسن الأوضاع المعيشية قريبا.


في سياق متصل تواصل معدلات الفقر الارتفاع بشكل مخيف مع استمرار غلاء المعيشة وعجز الدولة عن توفير شبكة أمان اجتماعي حقيقية تحمي الضعفاء من أنياب التضخم الذي يلتهم الأخضر واليابس في كل بيت مصري.


تبعا لهذا فإن استمرار الوضع الحالي ينذر بانفجار اجتماعي وشيك نتيجة الضغوط الاقتصادية التي لم تعد تحتمل خاصة مع وصول أسعار الغذاء والدواء إلى مستويات تفوق قدرة الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري المطحون.


ومن هذا المنطلق يجب على القوى الوطنية والخبراء المستقلين فضح هذه السياسات التدميرية والمطالبة بتغيير شامل في النهج الاقتصادي يضع مصلحة المواطن فوق مصالح النخبة الحاكمة وكبار الرأسماليين الذين يقتاتون على آلام الفقراء.


بالنظر إلى حجم الكارثة الاقتصادية الحالية فإن الرهان على تراجع الدولار وحده يعد ضربا من العبث طالما بقيت البيئة اللوجستية والإنتاجية في مصر تعاني من الشلل والتبعية المطلقة للخارج في ظل حكم العسكر.


خلاصة القول إن معضلة تكاليف الشحن ليست سوى عرض لمرض أكبر يتمثل في فشل إدارة الدولة للاقتصاد مما يجعل تراجع الدولار مجرد رقم لا قيمة له في واقع مرير يعيشه المصريون يوميا بكل ألم.