يرى سكوت باري كوفمان أن مفهوم "التدفق الذهني" فقد معناه الأصلي خلال السنوات الأخيرة بعدما حوّله عالم الإنتاجية إلى أداة لزيادة الأداء وتحقيق الإنجازات. ويؤكد أن عالم النفس ميهالي تشيكسنتميهاي صاغ هذا المفهوم ليصف تجربة إنسانية عميقة يعيش فيها الفرد اندماجًا كاملًا مع النشاط الذي يمارسه، لا وسيلة لتعظيم الكفاءة أو مضاعفة الإنتاج.

ويشير موقع سايكولوجي توداي إلى أن كتاب Flow: The Psychology of Optimal Experience ركز منذ البداية على "التجربة المثلى" لا "الأداء الأمثل". ويؤكد المقال أن ثقافة التطوير الذاتي أعادت تعريف التدفق الذهني بوصفه تقنية لرفع الإنتاجية، متجاهلة جوهر الفكرة الذي يجعل الاستمتاع بالتجربة نفسها هو الغاية الأساسية.


التدفق الذهني تجربة إنسانية قبل أن يكون وسيلة للإنجاز


يعيد الكاتب جذور مفهوم التدفق إلى عالم النفس الإنساني أبراهام ماسلو، الذي وصف في خمسينيات القرن الماضي ما أسماه "خبرات الذروة"، وهي لحظات قصيرة يشعر فيها الإنسان بانسجام كامل مع نفسه والعالم من حوله. ويلاحظ أن هذه الخبرات تشترك مع التدفق الذهني في خصائص عديدة، مثل الاندماج الكامل، وتغير الإحساس بالوقت، واختفاء الخوف، وتراجع الوعي بالذات، والشعور بأن النشاط يحمل قيمته في ذاته.
 

ويشرح أن التدفق يحدث عندما يتوازن مستوى التحدي مع مهارة الشخص، ويحظى الفرد بهدف واضح وتغذية راجعة مباشرة، فينصرف انتباهه بالكامل إلى المهمة دون أن يشتته التفكير في النتائج أو في تقييم الآخرين له. عندها يذوب الفاصل بين الفعل والوعي، ويصبح النشاط مصدرًا للمتعة في حد ذاته.


ويشير المقال إلى أن تشيكسنتميهاي أراد في البداية تسمية كتابه "الشخصية ذاتية الغاية"، في إشارة إلى الشخصية التي تمارس الأنشطة بدافع المتعة الداخلية لا انتظارًا لمكافأة خارجية، إلا أن الناشرين فضلوا عنوان "التدفق" لأنه أكثر بساطة وجاذبية.
 

الدماغ يدخل حالة مختلفة أثناء التدفق
 

يوضح الكاتب أن الدراسات العصبية كشفت انخفاض نشاط منطقة في الفص الجبهي مسؤولة عن مراقبة الذات والنقد الداخلي أثناء الدخول في حالة التدفق. ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "انخفاض النشاط الجبهي المؤقت"، حيث يهدأ الصوت الداخلي الذي يراقب الأخطاء ويقارن الأداء باستمرار.
 

ويؤكد أن هذا التغير العصبي يفسر الشعور بالراحة والانسياب الذي يرافق التدفق، كما يفسر تحسن الأداء والإبداع في الوقت نفسه. إلا أن الفائدة الإنتاجية ليست أصل الظاهرة، بل نتيجة جانبية لها، لأن الإنسان يصل إلى التدفق عندما ينغمس في التجربة نفسها، لا عندما يسعى إلى تحقيق أعلى إنتاج ممكن.
 

ويضيف أن الأبحاث لم تجد علاقة بين معدل الذكاء وقابلية الدخول في حالة التدفق، بل ارتبطت هذه القدرة بانخفاض العصابية وارتفاع الضمير المهني والقدرة على تركيز الانتباه بهدوء ودون مجهود ذهني مرهق.
 

السعي وراء التدفق قد يمنع الوصول إليه
 

ينتقد المقال محاولات تحويل التدفق إلى تقنية يمكن استدعاؤها عبر العقاقير أو التحفيز الكهربائي أو برامج التدريب المكثفة، معتبرًا أن المفارقة تكمن في أن الإنسان لا يصل إلى التدفق عبر الضغط على نفسه، بل عبر الاهتمام الحقيقي بما يفعله والاستغراق فيه بصورة طبيعية.


ويؤكد الكاتب أن التدفق ليس حالة مناسبة في كل المواقف، فبعض المهن الحساسة، مثل الجراحة أو مراقبة الملاحة الجوية، تحتاج إلى يقظة مستمرة ومراقبة دقيقة للذات، لذلك لا يجوز التعامل مع التدفق باعتباره حلًا سحريًا لكل المهام.


ويختتم المقال بالتشديد على أن أجمل لحظات التدفق قد تحدث أثناء الاستماع إلى الموسيقى، أو الكتابة، أو الاعتناء بالحديقة، أو الضحك مع العائلة، أو مشاهدة غروب الشمس. وربما لا تزيد هذه اللحظات إنتاجية الإنسان، لكنها تمنحه إحساسًا أعمق بالحياة ومعناها.

 

ويخلص إلى أن فوائد التدفق في الإبداع والعمل حقيقية، لكنها تظل ثمرة طبيعية لتجربة إنسانية ثرية، لا الهدف الذي ينبغي مطاردته، لأن أفضل طريق إلى التدفق يبدأ بالاستمتاع بالحاضر، لا باللهاث وراء الإنجاز.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/beautiful-minds/202606/reclaiming-the-true-meaning-of-flow