كشفت شكاوى مواطنين في 3 محافظات، هي القاهرة والجيزة والبحر الأحمر، تكرار انقطاع التيار لساعات خلال موجة الحر، ما عطل حياة الأسر والمنشآت السياحية وأعاد الشكوك بشأن عودة تخفيف الأحمال دون إعلان رسمي.
وتفضح الانقطاعات هشاشة الوعود الحكومية التي تبخرت عند أول اختبار صيفي قاس، بينما يدفع المواطن ثمن شبكة لم تتحمل ارتفاع الاستهلاك، رغم الزيادات المتلاحقة في أسعار الكهرباء والحديث الرسمي المستمر عن فائض الإنتاج وتطوير البنية الأساسية.
وعود تسقط في الحر
بدايةً، اشتكى سكان مناطق كثيفة في القاهرة والجيزة من انقطاعات مفاجئة امتدت ساعات، دون جداول معلنة أو تنبيهات مسبقة، ما ترك المرضى وكبار السن والأطفال يواجهون الحرارة داخل منازل تحولت إلى أماكن خانقة.
وفي السياق ذاته، قال محمد سيد، من سكان فيصل، إن الكهرباء انقطعت على نطاق واسع لمدة 5 ساعات ليلًا، بينما تلقى الأهالي تفسيرات متضاربة بين عطل رئيسي وعودة غير معلنة لخطة تخفيف الأحمال.
وبالتوازي، شهدت مدينة الغردقة انقطاعات شبه يومية أثارت غضب العاملين بالسياحة، بسبب تأثيرها في الفنادق والمنشآت والخدمات، وسط غياب بيان واضح يحدد أسباب الأزمة أو موعد انتهاء الأعطال المتكررة وإعادة استقرار التغذية الكهربائية.
ومن ناحية أخرى، تحولت منصات التواصل إلى سجل مفتوح لشكاوى المواطنين، بعدما عجزت قنوات الاتصال الرسمية عن تقديم إجابات موحدة، واكتفت الشركات بتلقي البلاغات دون إعلان بيانات تفصيلية عن المناطق المتضررة وأسباب الانقطاع ومدته.
وبحسب أستاذ هندسة الطاقة حافظ سلماوي، فإن موجات الحر ترفع الاستهلاك إلى مستويات الذروة بسبب التوسع في استخدام أجهزة التكييف، ما يفرض استعدادًا مبكرًا للشبكات ومحطات التوزيع، وليس انتظار الأعطال ثم التحرك بعدها.
كما يوضح سلماوي أن امتلاك قدرات توليد مرتفعة لا يضمن وحده استقرار الخدمة، لأن كفاءة النقل والتوزيع والمحولات تمثل عنصرًا حاسمًا، وقد يؤدي ضعف مكونات الشبكة المحلية إلى انقطاعات رغم توافر الكهرباء المنتجة.
وعلى الرغم من ذلك، واصلت الحكومة نفي عودة تخفيف الأحمال، مؤكدة أن الشبكة القومية مستقرة، لكن تكرار الانقطاع لساعات في مناطق متعددة يجعل المواطن عاجزًا عن التمييز بين العطل الفني والقطع المنظم غير المعلن.
وفوق ذلك، لا تكفي عبارة الأعطال المفاجئة لتفسير استمرار الخدمة خارج المنازل والمنشآت فترات طويلة، خصوصًا حين تتكرر الأزمة بالمناطق نفسها، بما يشير إلى قصور متراكم في الصيانة والتخطيط وقدرة شبكات التوزيع على مواجهة الأحمال.
شبكات عاجزة عن الصمود
من جانبها، قالت مصادر بوزارة الكهرباء إن ارتفاع الحرارة والأحمال تسبب في أعطال مفاجئة ببعض مكونات شبكات التوزيع، مؤكدة الدفع بفرق الطوارئ والصيانة وإعادة التغذية تدريجيًا بعد الانتهاء من إصلاح المناطق المتضررة.
وعلاوة على ذلك، كانت الوزارة قد أعلنت رفع الاستعداد إلى الدرجة القصوى وتكثيف الصيانة الوقائية خلال الذروة، غير أن اتساع الشكاوى كشف فجوة بين البيانات الرسمية وبين قدرة الشركات الفعلية على منع الأعطال وتقليل زمن الانقطاع.
وفي المقابل، لا يبدو ارتفاع درجات الحرارة حدثًا مفاجئًا يستحيل توقعه، إذ تصدر هيئة الأرصاد تحذيرات مسبقة من الموجات الحارة، ما يمنح الوزارة وقتًا لاختبار المحولات وتأمين البدائل وتوزيع فرق الصيانة قبل وقوع الأزمة.
ومن ثم، فإن تحميل الطقس كامل المسؤولية يخفي سنوات من ضعف الاستثمار في شبكات المناطق المزدحمة، حيث تزداد المباني والاستهلاكات دون توسعات موازية، وتبقى المحولات القديمة مطالبة بتغذية أحمال تفوق قدراتها الفنية والتشغيلية.
وبحسب خبير الطاقة ماهر عزيز، فإن استقرار الكهرباء يتطلب مزيجًا من كفاية الإنتاج وسلامة شبكات النقل والتوزيع وكفاءة إدارة الأحمال، لأن أي خلل في أحد هذه المستويات قد يقطع الخدمة عن المستهلك النهائي.
إضافةً إلى ذلك، يمثل تذبذب الجهد خطرًا أشد من الانقطاع ذاته، لأنه قد يتلف الثلاجات وأجهزة التكييف والمعدات الطبية، ويحمل الأسر تكاليف إصلاح باهظة لا تتحملها في ظل الغلاء وتراجع الدخول الحقيقية.
وفي هذا الإطار، تقدم النائب فيصل أبو عريضة ببيان عاجل بشأن التذبذب الحاد بمدينة الصف، واصفًا ارتفاع الجهد وانخفاضه المتكرر بأنه إهمال جسيم يهدد أرواح المواطنين وممتلكاتهم ويتطلب تدخلًا فوريًا لحماية الأجهزة والمنازل.
وبناءً على ذلك، تكشف أزمة الصف أن المشكلة لا تتعلق فقط بانطفاء المصابيح، بل بغياب جودة التغذية الكهربائية، إذ يمكن لعودة التيار بجهد غير مستقر أن تحول الخدمة الأساسية إلى مصدر خطر داخل كل منزل.
فاتورة يدفعها المواطن
في غضون ذلك، يطالب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء المواطنين بتقديم شكاوى عند تذبذب الجهد أو انخفاضه، غير أن تكرار الوقائع يطرح تساؤلًا عن دور الجهاز الرقابي في إلزام شركات التوزيع بمعايير الجودة وتعويض المتضررين.
وبدوره، يؤكد رئيس المجلس العربي للطاقة المستدامة محمد اليماني أن ترشيد الاستهلاك يعني الاستخدام الكفء للطاقة دون المساس براحة المواطنين أو إنتاجيتهم، وليس تحميل الأسر مسؤولية أعطال الشبكة أو حرمانها من الخدمة أثناء الحر.
كذلك، لا يستطيع المواطن ترشيد استهلاك خدمة تنقطع دون موعد، ولا يمكن مطالبته بحماية الشبكة بينما يفتقر إلى معلومات أساسية عن زمن الإصلاح، أو سبب العطل، أو الجهة المسؤولة عن تعويض الأجهزة التي أتلفها التذبذب.
وبالتالي، تتحمل الأنشطة السياحية في الغردقة خسائر إضافية نتيجة الانقطاعات، لأن الفنادق والمطاعم تعتمد على التبريد والإنارة والخدمات الإلكترونية، وأي اضطراب متكرر يسيء إلى تجربة الزوار ويضعف سمعة مقصد سياحي تعتمد عليه الدولة.
وفي الوقت نفسه، تواجه الأسر تكلفة تشغيل بدائل محدودة مثل البطاريات أو المولدات، بينما يعجز كثيرون عن شرائها، خصوصًا بعدما رفعت الحكومة أسعار الكهرباء مرارًا بدعوى تحسين الخدمة وتغطية تكاليف الإنتاج والتشغيل والصيانة.
غير أن المواطن لا يرى انعكاس هذه الزيادات على استقرار التيار، بل يجد نفسه يدفع فاتورة أعلى مقابل خدمة معرضة للانقطاع والتذبذب، ثم يسمع التفسير نفسه عن الأحمال والحرارة والأعطال الطارئة دون محاسبة معلنة.
لذلك، تحتاج الحكومة إلى نشر بيان يومي يوضح مناطق الأعطال وأسبابها ومدد الإصلاح، مع إعلان مؤشرات أداء شركات التوزيع وعدد الشكاوى والتعويضات، بدلًا من ترك المواطنين أسرى الشائعات والتفسيرات المتناقضة بين الموظفين والمسؤولين.
وعوضًا عن الإنكار المتكرر، ينبغي الاعتراف بحجم الأزمة ووضع خطة معلنة لتحديث المحولات والكابلات في المناطق الأكثر كثافة، لأن استقرار الكهرباء حق أساسي يرتبط بالصحة والعمل والتعليم والأمن، وليس منحة تقدمها الحكومة للمواطنين.
وأخيرًا، تعيد الانقطاعات الحالية ذاكرة تخفيف الأحمال التي أرهقت المصريين، وتؤكد أن الوعود لا تصمد دون شفافية واستثمار وصيانة، بينما تظل السلطة بارعة في رفع الأسعار وأقل كفاءة في ضمان خدمة مستقرة تحمي حياة الناس.

