كشف الدكتور عماد جاد، الباحث والكاتب السياسي، رفضه أي تعديل دستوري يفتح فترة رئاسية جديدة بعد 2030، معتبرًا أن تغيير قواعد الحكم لخدمة شخص بعينه يهدم مبدأ تداول السلطة ويقوض الثقة العامة.
ويأتي هذا الموقف بينما تتسع في مصر فجوة قاسية بين نصوص تتحدث عن الجمهورية الدستورية وواقع سياسي يحتكر القرار، ويضغط اقتصاديًا على المواطنين، ثم يطالبهم بالصمت باسم الاستقرار ومخاطر الإقليم.
وبحسب جاد، فإن بقاء الحاكم 16 عامًا متصلة حتى 2030 يطرح سؤال التجديد السياسي بجدية، لأن طول المدة لا يستهلك الأشخاص فقط، بل يستنزف الأفكار ويضعف القدرة على تصحيح السياسات ومراجعة الأخطاء.
وفي المقابل، تكرر السلطة خطاب التهديدات الخارجية لتثبيت معادلة تعتبر تغيير القيادة مخاطرة، مع أن الأزمات لم تتوقف يومًا، وتحويلها إلى ذريعة دائمة يعني عمليًا إلغاء السياسة وتأجيل حق المجتمع في الاختيار.
ومن ثم، يصبح الدفاع عن حدود المدد الرئاسية دفاعًا عن الدولة نفسها، لأن المؤسسات التي تتغير قياداتها وفق قواعد معلنة أكثر استقرارًا من أنظمة تربط مصير البلاد ببقاء فرد واحد مهما طال الزمن.
كما أن تعديلات 2019 لم تكن تفصيلًا إجرائيًا، إذ رفعت مدة الولاية من 4 إلى 6 سنوات، وسمحت بترتيبات انتقالية أعادت رسم المسار الرئاسي بما أبقى عبد الفتاح السيسي في الحكم حتى 2030.
غير أن فتح الباب لتعديل جديد سيؤكد أن النص الدستوري لا يحكم السلطة، بل تجري إعادة تشكيله كلما اقتربت نهاية المدة، وهو منطق يحول الدستور من عقد عام إلى ورقة قابلة للمساومة.
علاوة على ذلك، يرى جاد أن التجديد لا يعني الفوضى، بل إدخال أفكار ووجوه جديدة إلى إدارة الدولة، بما يمنع الجمود ويعيد الاعتبار للكفاءة والمساءلة بدل تحويل المواقع العليا إلى مساحات مغلقة.
وبناءً على ذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من يحكم بعد 2030 فقط، وإنما هل تسمح البيئة السياسية أصلًا بظهور بدائل قادرة على المنافسة، أم أن المجال العام سيظل مغلقًا حتى اللحظة الأخيرة.
وفي هذا السياق، يذكّر موقف جاد بأن تداول السلطة لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يحتاج قبل ذلك إلى أحزاب حقيقية وإعلام مستقل وضمانات انتخابية ومجتمع مدني قادر على الحركة دون خوف أو حصار.
كذلك، فإن غياب هذه الشروط يجعل أي انتخابات مقبلة أقرب إلى إجراء شكلي، لأن المواطن لا يختار بين برامج متنافسة، بل يواجه مشهدًا صُمم مسبقًا لضمان استمرار التوازن القائم وحماية مراكزه.
الدستور فوق الحاكم
يرى أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي أن الرئاسات المفتوحة بلا قيود دستورية تعيد إنتاج السلطوية، لأن غياب الحدود الزمنية يوسع صلاحيات الحاكم ويضعف الرقابة ويحول الدولة تدريجيًا إلى جهاز تابع للإرادة الفردية.
وبالتالي، يلتقي طرح حمزاوي مع تحذير جاد عند نقطة مركزية، وهي أن النصوص الدستورية لا تكتسب قيمتها من صياغتها، بل من قدرتها الفعلية على تقييد السلطة ومنعها من إعادة كتابة قواعد بقائها.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل قضية المدد عن أوضاع الحقوق والحريات، لأن تمديد الحكم داخل مجال عام مغلق يعني استمرار القيود نفسها على المعارضة والإعلام والتنظيم، وربما توسيعها لحماية مشروع البقاء.
لهذا، يصبح أي حديث رسمي عن الشرعية ناقصًا ما لم يقترن بحق المواطنين في الاختيار الحر، فصندوق الاقتراع لا يكتسب معناه إذا سبقته سنوات من إقصاء المنافسين وتجفيف المجال السياسي.
المال يبتلع التمثيل
يؤكد أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن المال السياسي ونظام القائمة المطلقة يضعفان المنافسة ويقتلان الحياة الحزبية، وهو ما يفسر تحول البرلمان إلى مساحة يغلب عليها النفوذ المالي لا التمثيل الاجتماعي المتوازن.
ومن جهة أخرى، فإن وصف جاد للبرلمان بأنه انعكاس لرأس المال يكشف أزمة أعمق، لأن مجلسًا لا يعبر عن العمال والفقراء والطبقة الوسطى لن يراقب السياسات التي تحملهم وحدهم كلفة الأزمة.
وفوق ذلك، يتيح ضعف التعددية تمرير التشريعات الكبرى دون نقاش مجتمعي حقيقي على نحو واسع، بينما تتحول الجلسات إلى مسار لإضفاء الشرعية على قرارات جاهزة بدل مراجعتها أو تعديلها وفق مصالح المواطنين.
لزيادة وضوح الصورة، فإن النظام الانتخابي الذي يقلص فرص المستقلين والأحزاب الصغيرة لا يصنع استقرارًا، بل ينتج برلمانًا متشابهًا سياسيًا، ويغلق منافذ التعبير المؤسسي، ثم يترك الغضب يتراكم خارج المؤسسات.
لذلك، لا يكفي تبديل أسماء النواب أو إعادة توزيع المقاعد، لأن الإصلاح يبدأ بتغيير قواعد المنافسة، وضمان تكافؤ الفرص، وكبح المال السياسي، وفتح المجال أمام تمثيل اجتماعي حقيقي لا تملكه شبكات النفوذ.
الاقتصاد يفضح السياسة
يشدد الخبير الاقتصادي زياد بهاء الدين على أن المواطن لا يشعر بثمار الإصلاح ما دامت الأسعار تلتهم دخله، ويربط التنمية المستدامة بمناخ سياسي يحترم الحقوق ويتيح المشاركة والمساءلة بدل الانغلاق وتجاهل القانون.
وبموازاة ذلك، تكشف الأزمة المعيشية حدود الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالمؤشرات الكلية بينما يعاني الناس من الغلاء وتراجع الخدمات، فالأرقام لا تصنع شرعية إذا بقيت حياة الأغلبية أكثر صعوبة وهشاشة.
وبهذا المعنى، يصبح الاقتصاد ساحة يومية للحكم على السياسة، لأن المواطن يقيس كفاءة السلطة في سعر الطعام والدواء والمواصلات والتعليم، لا في الخطب التي تطلب منه التضحية بلا سقف أو موعد.
وفي الوقت نفسه، قد يدفع استمرار الضغط الاقتصادي قطاعات أوسع إلى إعادة التفكير في موقفها السياسي، خصوصًا عندما ترى أن القرارات المؤلمة تُفرض من أعلى، بينما تغيب الرقابة وتضعف قدرة البرلمان على الاعتراض.
وأمام ذلك، تبدو معادلة الاستقرار المستخدمة رسميًا شديدة الهشاشة أمام الاحتقان المتراكم، لأن الاستقرار القائم على الخوف والإنهاك ليس استقرارًا دائمًا، بل هدوء مؤقت قابل للانفجار كلما اتسعت فجوة العدالة والتمثيل.
وأخيرًا، يضع طرح عماد جاد النظام أمام اختبار واضح، فإما احترام نهاية المدة وفتح المجال لتداول حقيقي، وإما تعديل جديد يثبت أن الدستور تابع للسلطة وأن وعود الجمهورية مجرد غطاء لدوام الحكم.
وخلاصة الأمر، أن تجديد القيادة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية الدولة من الجمود والانغلاق، وإعادة الثقة للمواطنين، ومنع الأزمات الإقليمية والاقتصادية من التحول إلى مبرر أبدي لإلغاء حق المصريين في الاختيار.

