سجلت بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء، اليوم، ارتفاعاً جديداً في أسعار اللحوم الحمراء، بعدما بلغ متوسط كيلو الضاني الصافي 484 جنيهاً، لتتسع الفجوة بين دخل المصريين وحقهم في الغذاء.

 

وبينما تقدم الحكومة نشرات الأسعار كأنها مجرد أرقام يومية، يعيش المواطن واقعاً أشد قسوة؛ فاللحم لم يعد غذاءً طبيعياً على مائدة الأسرة، بل سلعة موسمية تقيس حجم الانهيار في القدرة الشرائية.

 

إضافة إلى ذلك، لا تعكس قفزة الأسعار أزمة جزار أو سوق فقط، بل تكشف فشل سياسات الثروة الحيوانية والأعلاف والاستيراد والرقابة، بعدما تُركت الأسرة المصرية وحدها أمام بروتين يتحول إلى رفاهية.

 

كيلو يقترب من 500 جنيه

 

أظهرت النشرة الرسمية أن متوسط سعر كيلو اللحم الضاني الصافي بلغ 484 جنيهاً، بارتفاع 12 جنيهاً عن السعر السابق، فيما تراوحت الأسعار في الأسواق بين 350 و660 جنيهاً للكيلو.

 

وبالتالي، لم يعد الحديث عن اللحوم مرتبطاً بفروق بسيطة بين محافظة وأخرى، بل بمستوى سعري يطرد شريحة واسعة من المصريين خارج السوق، ويجعل الشراء قراراً مؤلماً لا عادة أسبوعية.

 

كما بلغ متوسط سعر كيلو الضاني بالعظم نحو 414 جنيهاً، بارتفاع جنيه واحد، بينما تراوحت الأسعار بين 200 و500 جنيه، وهو نطاق يكشف اتساع الفجوة بين المناطق والأسواق والمنافذ.

 

غير أن وجود حد أدنى أقل لا يغير حقيقة الأزمة، لأن المواطن لا يعيش داخل جدول أسعار رسمي، بل يواجه محال جزارة ومناطق سكنية تفرض عليه السعر المتاح لا السعر المعلن.

 

ومن ثم، جاء البتلو الصافي عند متوسط 464 جنيهاً للكيلو، بزيادة 4 جنيهات، فيما تراوح السعر بين 350 و860 جنيهاً، وهو رقم يفضح خروج النوعيات الجيدة من حسابات الفقراء.

 

كذلك، سجل كيلو البتلو بالعظم متوسطاً بلغ 411 جنيهاً، بارتفاع 6 جنيهات، وتراوحت أسعاره بين 320 و500 جنيه، ما يعني أن حتى القطع الأقل سعراً لم تعد بعيدة عن موجة الغلاء.

 

لذلك، فإن ارتفاع الضاني والبتلو في يوم واحد يعكس اتجاهاً عاماً لا صدفة عابرة، خاصة أن السوق تتحرك في ظل تكاليف علف ونقل وطاقة مرتفعة، ورقابة عاجزة عن كبح المضاربة.

 

وفوق ذلك، تؤكد بيانات بوابة الأسعار أن تحديثات اللحوم اليومية أصبحت مرآة لقسوة المعيشة، لا أداة طمأنة، لأن كل نشرة جديدة تضيف بضعة جنيهات إلى عبء الأسرة وتخصم من غذائها.

 

الكندوز يصعد والطبقة الوسطى تتراجع

 

بلغ متوسط سعر كيلو الكندوز كبير السن نحو 372 جنيهاً، بارتفاع 3 جنيهات عن السعر السابق، فيما تراوح السعر بين 280 و400 جنيه، ليبقى حتى الأرخص نسبياً فوق قدرة ملايين الأسر.

 

بناءً على ذلك، لم تعد الطبقة المتوسطة قادرة على التعامل مع الكندوز كبديل آمن للضاني والبتلو، لأن الأسعار المتقاربة تضغط كل الاختيارات، وتدفع المستهلك إلى تقليل الكمية أو الامتناع.

 

إلى جانب ذلك، سجل الكندوز صغير السن متوسطاً بلغ 444 جنيهاً للكيلو، بارتفاع جنيهين، فيما تراوح سعره بين 330 و550 جنيهاً، وهو مستوى يجعل المقارنة مع الرواتب شديدة القسوة.

 

في السياق نفسه، بلغ متوسط الكندوز متوسط السن 425 جنيهاً، بارتفاع 5 جنيهات، وتراوحت أسعاره بين 320 و500 جنيه، لتكتمل حلقة الغلاء داخل كل شرائح اللحوم الحمراء.

 

وعليه، فإن السوق لم تترك للمواطن مخرجاً واسعاً، فالاختلاف بين ضاني وبتلو وكندوز لم يعد يغير المعادلة كثيراً، لأن كل الأنواع تتحرك فوق سقف الدخل الحقيقي لغالبية المصريين.

 

من ناحية أخرى، يرى خبراء الثروة الحيوانية أن ارتفاع الأعلاف يمثل أحد أكبر محركات أسعار اللحوم، لأن المربي يحمّل تكلفة الذرة والصويا والأدوية والنقل على السعر النهائي للمستهلك.

 

وبهذا المعنى، فإن الأزمة تبدأ قبل محل الجزارة، من مزرعة لا تحصل على دعم كاف، ومرب لا يملك هامشاً مريحاً، وسوق أعلاف يتأثر بالدولار والاستيراد وسلاسل الإمداد.

 

كما أن تراجع أعداد المربين الصغار بسبب الخسائر المتكررة يفاقم الأزمة، لأن خروجهم من السوق يقلل المعروض المحلي، ويجعل الأسعار رهينة للمستوردين وكبار التجار وشبكات التوزيع.

 

خبراء يحذرون من غذاء يتحول إلى امتياز

 

قال الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار، في أكثر من قراءة لأزمة الأسعار، إن التضخم في السلع الأساسية يرتبط بسياسات نقدية ومالية خاطئة، وباعتماد مفرط على الاستيراد لا على الإنتاج المحلي.

 

وبالتالي، فإن أزمة اللحوم ليست منفصلة عن سعر الصرف أو تكلفة الاستيراد، لأن الأعلاف والماشية ومدخلات التربية تتأثر بالدولار، ثم تنتقل الزيادة كاملة إلى المواطن في نهاية السلسلة.

 

كما يرى نقيب الفلاحين حسين أبو صدام أن أزمة اللحوم ترتبط بتكلفة الأعلاف ونقص المراعي وارتفاع تكاليف التربية، مؤكداً أن دعم المربين الصغار هو الطريق الأهم لضبط السوق.

 

غير أن الحكومة تفضل غالباً الحلول السريعة، فتتحدث عن منافذ وطرح كميات محدودة، بينما تبقى المشكلة البنيوية قائمة في الإنتاج المحلي وسلاسل الأعلاف والرقابة على حلقات الوساطة.

 

إضافة إلى ذلك، يحذر خبراء التغذية من أن تراجع استهلاك البروتين الحيواني ينعكس على صحة الأسر، خاصة الأطفال، لأن اللحوم ليست مجرد رفاهية غذائية بل مصدر مهم للحديد والبروتين والزنك.

 

في المقابل، لا تستطيع الأسر تعويض اللحوم بسهولة إذا ارتفعت أسعار الدواجن والأسماك والبيض بالتوازي، وهو ما يجعل أزمة البروتين شاملة، ويدفع الفقراء إلى وجبات أرخص وأضعف غذائياً.

 

ومن جهة أخرى، يرى مستوردون وتجار أن ضبط الأسعار يحتاج إلى استقرار في الدولار وتوفير الأعلاف وخفض تكاليف النقل والذبح، وهي عناصر لا تتحقق ببيانات حكومية أو حملات موسمية.

 

هكذا، تتحول اللحوم إلى مؤشر سياسي قبل أن تكون سلعة غذائية، لأنها تكشف حدود خطاب الإصلاح حين يصطدم بطبق الطعام، وتفضح حكومة تطلب الصبر بينما تترك الأسعار تفترس الدخول.

 

وفي النهاية، لا يحتاج المصريون إلى نشرة أسعار تخبرهم أن الكيلو يقترب من 500 جنيه، بل إلى سياسة تنتج وتدعم وتراقب، حتى لا يصبح اللحم شاهداً يومياً على فشل الحكم.