تشهد القارة الأوروبية واحدة من أعنف موجات الحر في تاريخها الحديث، بعدما ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في عدد كبير من الدول، متسببة في سقوط مئات الضحايا، وإرباك خدمات النقل والطاقة، وإعلان حالات التأهب القصوى في عدة عواصم أوروبية وسط تحذيرات من استمرار الظاهرة واتساع نطاقها خلال الأيام المقبلة.
وامتدت موجة الحر الاستثنائية من غرب أوروبا إلى شرقها، لتشمل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وسويسرا والدنمارك والتشيك ورومانيا وغيرها من الدول، في وقت حذرت فيه هيئات الأرصاد والمنظمات الدولية من أن التغيرات المناخية باتت تجعل مثل هذه الظواهر أكثر شدة وتكرارا.
وشهد السبت يوما جديدا من درجات الحرارة القياسية التي غطت مساحات واسعة من القارة، حيث امتدت موجة القيظ من فرنسا إلى بولندا مرورا بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، بينما أعلنت فرنسا وسويسرا وألمانيا والنمسا والمجر ورومانيا أعلى درجات التأهب لمواجهة تداعيات الحرارة المرتفعة، مع استعداد دول أخرى لاستقبال الموجة خلال الأيام المقبلة.
وسجلت عدة دول أرقاما غير مسبوقة في تاريخها المناخي، إذ بلغت الحرارة في الدنمارك 37 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ بدء توثيق البيانات المناخية عام 1874، فيما تجاوزت درجات الحرارة في التشيك حاجز الأربعين مئوية لأول مرة لتصل إلى 40.6 درجة، بينما سجلت ألمانيا رقما قياسيا جديدا بلغ 41.5 درجة مئوية، في واحدة من أشد موجات الحر التي عرفتها البلاد.
أما في سويسرا، فقد واصلت مدينة بازل تسجيل درجات حرارة قياسية للشهر الثالث على التوالي، بعدما بلغت الحرارة 39 درجة مئوية، وهو أعلى معدل يسجل خلال شهر يونيو، في مؤشر جديد على اتساع رقعة الظواهر المناخية المتطرفة داخل القارة الأوروبية.
وفي مواجهة هذه الأجواء القاسية، لجأ ملايين الأوروبيين إلى مختلف الوسائل للتخفيف من آثار الحرارة، حيث امتلأت الأنهار والنافورات بالباحثين عن البرودة، بينما فتحت الكنائس أبوابها لاستقبال المواطنين، واضطر آخرون إلى البقاء داخل الأقبية والمنازل تجنبا للتعرض المباشر لأشعة الشمس.
فرنسا.. عشرات الضحايا وخطة طوارئ بالمستشفيات
كانت فرنسا من أكثر الدول تضررا من موجة الحر الحالية، بعدما تجاوزت درجات الحرارة في عدة مناطق حاجز الأربعين درجة مئوية، وهو ما تسبب في اضطرابات واسعة شملت حركة القطارات وإنتاج الكهرباء، فضلا عن ارتفاع أعداد الوفيات.
وأعلنت السلطات الفرنسية تسجيل وفاة 109 أشخاص في العاصمة باريس منذ بداية موجة الحر، وفقا لبيانات خدمات الطوارئ الصحية، بينما أكدت أن معظم الضحايا من كبار السن والفئات الأكثر هشاشة أمام درجات الحرارة المرتفعة.
ودفعت الأزمة السلطات الصحية إلى تفعيل خطة الطوارئ داخل مستشفيات باريس والمناطق المحيطة، والتي تضمنت استدعاء أطقم طبية من إجازاتهم، وزيادة عدد الأسرة المتاحة لاستقبال الحالات الحرجة، إلى جانب تأجيل العمليات الجراحية غير العاجلة لتوفير الإمكانات اللازمة لمواجهة تدفق المصابين.
إسبانيا.. أكثر من 200 وفاة بسبب الحرارة
وفي إسبانيا، أعلنت السلطات وفاة أكثر من 200 شخص نتيجة موجة الحر، في حصيلة أولية تعكس حجم الكارثة التي تشهدها البلاد.
وأوضحت السلطات أن غالبية الضحايا من كبار السن، والمرضى المصابين بأمراض مزمنة، والأطفال والمراهقين، إضافة إلى عدد من المشردين الذين تعرضوا مباشرة لدرجات الحرارة المرتفعة.
كما أشارت إلى أن الوفيات لم تقتصر على ضربات الشمس فقط، بل شملت حالات غرق أثناء محاولة الهروب من الحرارة، وأزمات قلبية، وارتفاعا حادا في حرارة الجسم أدى إلى مضاعفات قاتلة.
ألمانيا تحطم أرقامها المناخية
وفي ألمانيا، سجلت هيئة الأرصاد الجوية أعلى درجة حرارة في تاريخ البلاد، بعدما بلغت 41.5 درجة مئوية في بلدة موكيرن-درفيتس، متجاوزة الرقم القياسي الذي سجل قبل يوم واحد فقط وبلغ 41.3 درجة في منطقة بورباخ بمدينة زاربروكن.
ويعكس هذا الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة حجم التغيرات المناخية التي تشهدها أوروبا، بعدما تم تحطيم الرقم القياسي الوطني مرتين خلال يومين متتاليين.
إيطاليا ترفع حالة الإنذار
وفي إيطاليا، أصدرت وزارة الصحة تحذيرا من المستوى الأحمر في 18 مدينة، من بينها روما وميلانو وتورينو والبندقية وجنوة وفلورنسا وبولونيا، مع توقعات بملامسة درجات الحرارة حاجز 39 درجة مئوية في عدد من المناطق.
وتواصل السلطات الإيطالية دعوة السكان، خاصة كبار السن والأطفال، إلى تجنب الخروج خلال ساعات الظهيرة والإكثار من شرب المياه، في ظل استمرار الظروف الجوية القاسية.
بريطانيا تسجل أعلى حرارة في يونيو
ولم تكن المملكة المتحدة بعيدة عن موجة الحر، إذ سجلت أعلى درجة حرارة في تاريخ شهر يونيو بعدما بلغت 35.7 درجة مئوية في منطقة تشارلوود جنوب العاصمة لندن بالقرب من مطار غاتويك، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل عام 1976.
وأكدت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية أن البلاد تشهد للشهر الثاني على التوالي ظروفا مناخية استثنائية، مع استمرار موجات الحر بوتيرة غير معتادة.
شرق أوروبا يستعد للأسوأ
وفي شرق أوروبا، تستعد رومانيا لإعلان حالة الإنذار الأحمر على مستوى البلاد اعتبارا من الاثنين المقبل، مع توقعات باستمرار درجات الحرارة القصوى حتى مطلع يوليو.
وفي مولدوفا، أعلنت السلطات فرض قيود مؤقتة على حركة الشاحنات الثقيلة التي يزيد وزنها على 12 طنا خلال الفترة من 28 يونيو وحتى الأول من يوليو، في محاولة للحد من الأضرار التي قد تلحق بالطرق والبنية التحتية نتيجة الحرارة الشديدة.
تحذيرات دولية من اتساع موجة الحر
وحذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن موجة الحر الحالية ستواصل تحركها تدريجيا نحو وسط أوروبا ومنطقة البلقان مع نهاية الشهر، ما ينذر باتساع نطاق تأثيرها ووصولها إلى مناطق جديدة.

