تستمر آثار العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في التفاقم بعد 11 عامًا من الحرب والحصار بهدف إسقاط حكم الحوثيين، بعدما تجاوزت العمليات حدود القصف العسكري إلى تدمير مفاصل الاقتصاد والمجتمع، وتعطيل الإنتاج والخدمات، وخنق التجارة، وترك ملايين اليمنيين أمام الفقر والجوع وانعدام الرواتب وانهيار التعليم والصحة والكهرباء والمياه.

 

لم تعد الأزمة اليمنية مجرد نتيجة جانبية لحرب طويلة، بل تحولت إلى سياسة إنهاك شاملة تستهدف القدرة اليومية للناس على البقاء. فالحصار والقيود على المنافذ وتدمير البنية التحتية لم تضرب الدولة فقط، بل ضربت البيت اليمني في رغيفه ودوائه ومدرسته وكرامة معيشته.

 

اقتصاد مخنوق وأسواق تحت الحصار

 

ومنذ بداية الحرب، دفعت القيود المفروضة على حركة الاستيراد والتصدير والوقود والسلع الأساسية الاقتصاد اليمني إلى شلل واسع. تعطلت المصانع، وتراجعت حركة النقل، وارتفعت أسعار الغذاء والدواء، فيما تحولت الأسواق إلى مرآة يومية لحرب اقتصادية يدفع ثمنها المواطن لا الجنرال.

 

وتشير تقديرات إنسانية حديثة إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. ومع كل أزمة في الموانئ أو الوقود أو العملة، يصبح الجوع أداة ضغط لا مجرد مأساة إنسانية عابرة.

 

ويؤكد الباحث اليمني عبدالغني الإرياني، من مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن الحرب الاقتصادية في اليمن عمقت الانقسام، وخلقت اقتصادًا مشوهًا تحكمه شبكات النفوذ والجبايات والقيود، بينما فقد المواطن العادي قدرته على الصمود أمام انهيار الدخل وارتفاع الأسعار.

 

هذا الانهيار لم يأت من فراغ، فاستهداف الطرق والجسور والموانئ والمطارات والمنشآت الإنتاجية ضرب شرايين الحياة. ومع تعطيل الصادرات وتراجع الاستثمار وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات، بات اليمن محاصرًا بين حرب السلاح وحرب اللقمة.

 

وتبدو مسؤولية الرياض سياسية وأخلاقية في قلب هذه الكارثة، لأنها قادت تحالفًا استخدم الحصار والضغط الاقتصادي ضمن أدوات الحرب. وحتى عندما خفتت أصوات الطائرات، بقيت آثار التجويع قائمة في الأسواق والبيوت والمدارس والمستشفيات.

 

التعليم والرواتب كسلاح لإضعاف المجتمع

 

ولم يكن قطاع التعليم بعيدًا عن هذه الحرب الممنهجة. فمع انقطاع الرواتب وتدهور العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، وجد المعلم اليمني نفسه عاجزًا عن الاستمرار، ووجدت الأسر نفسها بين تعليم عام متعثر وتعليم خاص يلتهم ما تبقى من دخلها.

 

وتحولت المدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة إنقاذ للأجيال، إلى عبء إضافي على أولياء الأمور. فالرسوم والمستلزمات والمواصلات أصبحت فوق طاقة آلاف الأسر، بينما دفع الفقر كثيرًا من الأطفال إلى ترك التعليم والبحث عن عمل مبكر.

 

وترى رضية المتوكل، رئيسة منظمة مواطنة لحقوق الإنسان، أن المدنيين في اليمن دفعوا ثمنًا باهظًا لانتهاكات أطراف الحرب، وأن استهداف البنية المدنية والخدمات الأساسية أضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه، خصوصًا في التعليم والصحة والعيش اليومي.

 

هذه الزاوية تكشف أن تدمير التعليم ليس ضررًا جانبيًا، بل ضربة طويلة المدى لمستقبل اليمن. فحين ينقطع راتب المعلم، وتنهار المدرسة، ويضطر الطفل إلى العمل، تصبح الحرب مشروعًا لتفريغ البلد من قدرته على النهوض.

 

ولذلك، فإن الحديث عن الصمود اليمني لا يلغي حجم الجريمة، بل يفضحها أكثر. فالتكافل الاجتماعي والمبادرات المحلية ووسائل المعيشة البديلة ليست دليل عافية، بل محاولة شعب محاصر لمنع السقوط الكامل في الجوع والجهل والمرض.

 

تجويع وتدمير منظم

 

اليمن اليوم ليس أمام أزمة إغاثية مؤقتة، بل أمام حصيلة 11 عامًا من التجويع والتدمير المنظم. فالفقر الواسع، وانعدام الرواتب، وتدهور الخدمات، ونقص الوقود والدواء، كلها حلقات في سلسلة واحدة جعلت الحياة اليومية معركة بقاء.

 

ويحذر بيتر سالزبري، المتخصص في الشأن اليمني لدى مجموعة الأزمات الدولية، من أن الاقتصاد أصبح أحد أخطر ساحات الصراع في اليمن، لأن السيطرة على الموارد والموانئ والعملة والجبايات تغذي الانقسام وتمنع أي تعافٍ مستقر.

 

هذه القراءة تفسر لماذا لا تكفي التهدئة العسكرية وحدها. فطالما بقيت الرواتب معلقة، والثروات النفطية والغازية خارج خدمة المواطن، والمنافذ مقيدة، والأسواق تحت ضغط الاحتكار والندرة، فإن الحرب ستستمر بوجه اقتصادي حتى لو خفت صوت المدافع.

 

وفي المقابل، يحاول اليمنيون تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار عبر إجراءات نقدية وتنظيمية للحد من المضاربات وضبط السوق، لكن هذه المحاولات تبقى محدودة أمام حجم الدمار والحصار وتعدد مراكز النفوذ وسيطرة أطراف الحرب على مصادر الدخل.

 

إن المطالب الشعبية بصرف المرتبات، ورفع القيود عن المنافذ، وتوجيه عائدات النفط والغاز لخدمة الناس، ليست مطالب فئوية، بل حقوق أساسية لشعب حُرم من أبسط مقومات الحياة تحت ضغط حرب طويلة وحصار قاس.

 

وفي النهاية، تكشف حرب التجويع الممنهجة أن معاناة اليمنيين لم تكن نتيجة طبيعية للحرب فقط، بل نتيجة سياسات ضغط وحصار وتدمير طالت الاقتصاد والتعليم والخدمات. لذلك، لا يبدأ السلام الحقيقي من بيانات التهدئة، بل من إنهاء الحصار، وصرف الرواتب، وفتح المنافذ، وتعويض الضحايا، واستعادة حق اليمنيين في حياة كريمة.