تكشف آيات سورة الأنعام أن الأمن الحقيقي لا يصنعه المال ولا القوة ولا كثرة الأعوان، وإنما يولد من الإيمان الصادق والتوحيد الخالص، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]، فكلما صفا القلب من الشرك وصدق تعلقه بالله، ازداد نصيبه من الطمأنينة والهداية والنجاة في الدنيا والآخرة.
وتأتي الآية جوابا حاسما في محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه، بعدما أنكر خوفه من أصنامهم ووبخهم على عدم خوفهم من الشرك، فقال: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:81]، فحكم الله بأن الأمن والهداية لأهل الإيمان الخالص، وأن الخوف والضلال عاقبة من تعلق بغيره.
فصل الله بين الفريقين
يرى الإمام الطبري أن قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} هو فصل القضاء بين إبراهيم عليه السلام وقومه، فقد بيّن الله أن الذين صدقوه وأخلصوا له العبادة، ولم يخلطوا إيمانهم بالشرك، هم الأحق بالأمن من عقابه.
أما المشركون الذين جعلوا لله أندادا، فهم أهل الخوف الحقيقي، وإن توهموا أن أصنامهم تمنحهم الحماية، فهم في الدنيا وجلون من سخط الله، وفي الآخرة معرضون للعذاب بسبب عبادتهم ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا.
ويبين ابن عاشور أن هذه الآية قد تكون من تمام كلام إبراهيم عليه السلام، إذ أجاب بنفسه عن سؤاله: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:81]، لأن الجواب واضح لا يملك المخاطب إنكاره.
كما يحتمل أن تكون الآية كلاما مستأنفا من الله تعالى، جاء تصديقا لإبراهيم عليه السلام وفصلا في القضية، أما القول بأنها من كلام قومه فبعيد، لأنهم استمروا في المكابرة والضلال حتى ألقوا إبراهيم في النار.
الظلم المقصود هو الشرك
أوضح الشنقيطي أن الظلم الوارد في الآية هو الشرك بالله، وقد دل على ذلك تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، كما دل عليه قول الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13].
ويؤكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254]، فالظلم الأعظم أن يصرف الإنسان شيئا من العبادة لغير خالقه، أو يجعل بينه وبين الله أندادا يتعلق بهم أو يرجوهم أو يخافهم كخوفه من الله.
وقال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106]، فكل معبود من دون الله عاجز عن جلب النفع ودفع الضر، والتعلق به ظلم للنفس وإفساد للتوحيد.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على الناس، وقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، إنما هو الشرك» رواه البخاري.
مراتب الأمن والهداية
يفصل السعدي معنى الآية، فيبين أن من نقى إيمانه من الشرك والمعاصي حصل له الأمن التام والهداية التامة، فكان آمنا من المخاوف والعذاب والشقاء، ومهتديا إلى الصراط المستقيم في أقواله وأعماله وأحواله.
أما من سلم إيمانه من الشرك، لكنه وقع في بعض المعاصي والسيئات، فإن له أصل الأمن وأصل الهداية، غير أنه لا ينال كمالهما، لأن المعاصي تنقص طمأنينة القلب وتضعف نور الهداية بقدر ما تحدثه من خلل.
ولا يعني ذلك أن المؤمن العاصي يخرج من الإيمان، ما دام موحدا لم يقع في الشرك الأكبر، وإنما ينقص نصيبه من الأمن والهداية بحسب ذنوبه، ويظل محتاجا إلى التوبة والاستغفار ومجاهدة النفس حتى يكتمل إيمانه.
ويفهم من الآية أن من حرم الإيمان الخالص فقد حرم الأمن والهداية، وكان نصيبه من الضلال والشقاء بقدر ما في قلبه من الشرك والبعد عن الله، فلا طمأنينة لقلب يطلب السكينة عند غير خالقه.
التوحيد يطرد الخوف
يقرر ابن قيم الجوزية أن الخوف ملازم للشرك، وأن الأمن ملازم للتوحيد، مستدلا بمحاجة إبراهيم عليه السلام لقومه في قوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:81].
ثم جاء الحكم الإلهي واضحا: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]، فالتوحيد من أعظم أسباب النجاة من المخاوف، والشرك من أكبر أسباب اضطراب القلب واستيلاء الخوف عليه.
ومن خاف مخلوقا خوفا يزاحم خوفه من الله، أو علق نجاته به، فقد يصبح خوفه سببا في تسلط ذلك المخلوق عليه، أما من خاف الله وحده وتوكل عليه، كان توحيده من أعظم أسباب ثباته ونجاته.
وكذلك من علق رجاءه بغير الله قد يحرم ما رجاه، أما من وحّد رجاءه وتعلق قلبه بالله، فقد فاز بما طلب، أو رزقه الله نظيره، أو عوضه بما هو خير وأنفع له في دنياه وآخرته.
الإخلاص يصنع الطمأنينة
يلخص سيد قطب دلالة الآية بأن الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك في العبادة أو الطاعة أو الاتجاه، هم الذين يستحقون الأمن، وهم الذين يسيرون على طريق الهداية.
فالمؤمن لا يوزع قلبه بين خالق ومخلوق، ولا يجعل رجاءه موزعا بين الله وبين أسباب عاجزة، وإنما يأخذ بالأسباب المشروعة وقلبه متعلق برب الأسباب، عالما أن النفع والضر والحفظ والرزق بيد الله وحده.
وحين يستقر التوحيد في القلب، يتحرر الإنسان من عبودية الخوف والطمع في المخلوقين، ويواجه الحياة بقلب ثابت، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
فالطريق إلى الأمن يبدأ بتصحيح العقيدة، وتجديد التوبة، وإخلاص العبادة والدعاء والرجاء والخوف لله، ومراقبة القلب حتى لا يتسلل إليه تعلق يناقض التوحيد أو يضعف كماله.
ومن أراد الهداية المستديمة والطمأنينة الصادقة، فليحقق معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]، فهي وعد رباني لا يتخلف لأهل الإيمان والتوحيد.

