كشفت هيئة الرقابة المالية أن التمويل الاستهلاكي في مصر تجاوز 96.3 مليار جنيه بنهاية 2025، واستفاد منه أكثر من 10.8 مليون عميل، لتتحول القروض السهلة إلى عبء واسع يهدد ميزانيات الأسر.
وبينما تروج الشركات للتقسيط باعتباره بابا للشراء المريح، تكشف الأرقام وجها أشد قسوة، حيث يدفع المصريون ثمن الغلاء مرتين، مرة عند الشراء، ومرة عند السداد بفوائد وغرامات تبتلع الدخل.
قروض سهلة وديون قاسية
بالتالي، لم يعد التمويل الاستهلاكي مجرد خدمة مالية مساعدة، بل صار بديلا اضطراريا للدخل المتآكل، يستخدمه المواطن لشراء احتياجات كانت طبيعية، قبل أن يحولها التضخم إلى قرارات مؤجلة أو ديون.
كما أن نمو القطاع بنسبة 57% في عام واحد يكشف اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، فكلما تراجعت القدرة الشرائية، تقدمت شركات التقسيط لتبيع الوهم على هيئة أقساط شهرية ناعمة.
ولزيادة الخطر، تشير تقديرات منشورة إلى أن الفوائد الفعلية قد تدور بين 35% و45% سنويا، وهي تكلفة تجعل القرض الاستهلاكي أقرب إلى فخ طويل لا إلى حل قصير.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا يقترض الناس، بل لماذا صاروا مضطرين إلى الاقتراض لشراء أجهزة ومستلزمات وخدمات أساسية، في اقتصاد يضغط على الأسر حتى يدفعها نحو الديون الصغيرة المتراكمة.
ومن ثم، فإن وصول عدد العملاء إلى أكثر من 10.8 مليون لا يعني نجاحا ماليا، بل يكشف قاعدة اجتماعية واسعة باتت تعيش على التأجيل، وتقايض الحاضر بالمستقبل تحت ضغط السوق.
غير أن النائبة منى عبد الله وصفت هذا النمو بأنه مؤشر سلبي خطير، وأرجعته إلى شراء سلع تفوق القدرة الحقيقية، مع مغريات ظاهرية وشروط غير واضحة يستغلها بعض مقدمي التمويل.
علاوة على ذلك، فإن سهولة الموافقة عبر التطبيقات والمتاجر خلقت انطباعا زائفا بأن التمويل لا يحتاج حسابات دقيقة، بينما يبدأ الخطر الحقيقي عند أول تأخير، حين تتحول الأقساط إلى غرامات.
السوق يبيع الوهم للمواطن
بناء على ذلك، تبدو شركات التمويل الاستهلاكي جزءا من سوق يستثمر في ضعف المواطن لا في قوته، فهي لا تواجه أزمة الدخل، بل تعيد تدويرها في عقود طويلة وفوائد مؤجلة.
في المقابل، تقول الرقابة المالية إن نسب التعثر في القطاع غير المصرفي أقل من 3%، لكن هذا الرقم لا يلغي ضغط الأقساط على البيوت، ولا يكشف حجم التسويات والتهديدات اليومية.
فضلا عن ذلك، أكد الدكتور إسلام عزام أن مرحلة ما قبل المنح تمثل خط الدفاع الأول لمنع الديون المتعثرة، وهو تصريح مهم، لكنه يفتح سؤالا حول جودة الفحص قبل منح التمويل.
كذلك، فإن ارتفاع رخص شركات التمويل الاستهلاكي إلى 48 رخصة يعكس توسعا مؤسسيا واضحا، لكنه يفرض رقابة أشد على الإعلان والتسعير والغرامات، لا مجرد احتفاء بنمو المحافظ المالية.
وعليه، لا يكفي أن تكون الشركة مرخصة إذا ظل العميل يوقع عقدا لا يفهمه، أو يكتشف بعد التعثر أن الغرامة اليومية أكبر من قدرته على اللحاق بالقسط الأصلي.
ثم إن تحذير منى عبد الله من غرامات التأخير يكشف أخطر نقطة في الأزمة، فالمشكلة لا تقف عند الفائدة، بل تمتد إلى غرامات قد تجعل الدين أكبر من أصله.
ومن ناحية أخرى، يرى خبير التشريعات الاقتصادية أحمد سعيد أن بعض شركات التمويل تحدد الفائدة بصورة غير معلنة وواضحة للمستهلك، وهو ما يجعل الشفافية شرطا لا رفاهية في هذا السوق.
في هذا السياق، تصبح العقود المكتوبة بلغة قانونية طويلة سلاحا ضد المواطن محدود الخبرة، فالتوقيع السريع داخل المتجر أو التطبيق قد يتحول لاحقا إلى ورقة ضغط أمام المحاكم والشيكات.
الأسر تدفع فاتورة الغلاء
هكذا، تتحول الأسرة المصرية إلى ممول إجباري لفشل السياسات الاقتصادية، فبدلا من زيادة الدخل وخفض الأسعار، يترك المواطن أمام شركات تبيع له القدرة على الشراء مقابل قيد شهري جديد.
إضافة إلى ذلك، فإن توسع القروض الاستهلاكية في بلد يعاني تضخما مرتفعا يعني أن جزءا من الاستهلاك لم يعد ممولا من دخل حقيقي، بل من ديون مرهونة بمرتبات مستقبلية.
وبالمثل، حين تتراكم الأقساط على فاتورة الكهرباء والغاز والإيجار والمدارس والطعام، لا يعود التعثر استثناء أخلاقيا، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد يدفع الناس إلى الحافة ثم يلومهم على السقوط.
مع ذلك، لا يمكن تبرئة المواطنين بالكامل من قرارات استهلاكية خاطئة، لكن تحميلهم المسؤولية وحدهم يخفي أصل الأزمة، وهو انخفاض القدرة الشرائية وغياب رقابة كافية على تسويق القروض.
ومن هنا، فإن الحديث عن حملة توعية قومية يصبح ضروريا لكنه غير كاف، لأن الوعي لا يحمي وحده من عقد ظالم، ولا يوقف شركة تفرض غرامة يومية بلا سقف واضح.
وفوق ذلك، فإن رفع الحد الأقصى للتمويل النقدي المسبق إلى 50 ألف جنيه يحتاج ضوابط أشد، لأن توسيع الباب دون حماية كافية قد يدفع أسر الستر إلى ديون أعمق.
وبذلك، يصبح تدخل البرلمان مطلوبا لا كمشهد إعلامي، بل كتشريع واضح يضع سقفا للفائدة والغرامات، ويلزم الشركات بإعادة جدولة عادلة للمتعثرين، ويحظر أي ضمانات تهدد المواطن جنائيا.
في المحصلة، تكشف أزمة التمويل الاستهلاكي أن الغلاء لم يسرق الدخل فقط، بل سرق راحة الأسر أيضا، فصار الهاتف والثلاجة والمصاريف اليومية بوابات إلى ديون وغرامات وقلق دائم.
لذا، فإن ترك السوق يحدد وحده تكلفة الاقتراض هو تفويض للذئب بحراسة الفريسة، لأن المواطن الضعيف لا يفاوض شركة كبيرة، بل يوقع تحت ضغط الحاجة والخوف من العجز.
وأخيرا، يبقى رقم 96.3 مليار جنيه إنذارا اجتماعيا لا خبرا ماليا، فإذا لم تتحرك الدولة لضبط الفوائد والغرامات والشفافية، ستتحول ديون التقسيط إلى قنبلة صامتة داخل بيوت المصريين.

