تواصل الإمارات دفع خطاب سياسي وإعلامي يستهدف الإسلاميين والجاليات المسلمة في بريطانيا والغرب، عبر ربط شخصيات وأنشطة إسلامية بجماعة الإخوان المسلمين، وتقديم هذا الارتباط باعتباره تهديدًا أمنيًا وسياسيًا للمجتمعات الأوروبية.
وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن شخصيات إماراتية، إلى جانب شبكة العلاقات المتنامية مع اليمين البريطاني، عن مسار يتجاوز مجرد انتقاد جماعة بعينها، إلى محاولة التأثير في النقاش العام حول الإسلام والهجرة والاندماج داخل بريطانيا.
خطاب يتجاوز الإخوان إلى الجالية المسلمة
برز هذا التوجه مجددًا مع تصريحات المحلل السياسي المقرب من السلطات الإماراتية عمر البلوشي، الذي وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها «سرطان انتشر في بريطانيا»، محذرًا مما اعتبره توسعًا لنفوذ الجماعة داخل المؤسسات والمجتمع البريطاني.
وزعم البلوشي أن نشاط الجماعة لم يعد مقتصرًا على المشاركة السياسية، وإنما يمتد إلى بناء شبكات نفوذ والتغلغل داخل المؤسسات وتقديم شخصيات عامة تتمتع بقبول اجتماعي، معتبرًا أن هذا التأثير يتم بصورة هادئة ومن خلال ما وصفه بـ«الأبواب الخلفية».
ولا تبدو هذه التصريحات معزولة عن طبيعة المحتوى الذي يقدمه البلوشي عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يخصص مساحة واسعة لمتابعة أوضاع الجالية الإسلامية في بريطانيا، ويستخدم وقائع وجرائم فردية منسوبة إلى مسلمين في سياق أوسع يربطها بقضايا الهجرة والإسلام السياسي، بما يدفع نحو تحميل مجتمع كامل مسؤولية أفعال فردية.
هذا الخطاب أثار انتقادات من الخبير الأمني أندرياس كريج، الأستاذ المساعد في قسم الدراسات الأمنية بكلية كينغز لندن، الذي اعتبر أن استمرار هذا النهج يضعف أهلية الإمارات كشريك للمملكة المتحدة وأوروبا.
ورأى كريج أن ما يجري يمثل جهدًا منسقًا من شبكة إماراتية من المؤثرين بهدف استقطاب النقاش العام بشأن الإسلام والهجرة في أوروبا، معتبرًا أن استخدام ملف الإخوان المسلمين أصبح جزءًا من رواية أوسع تصور المسلمين في المجتمعات الأوروبية باعتبارهم غير قادرين على الاندماج.
تقارب مع اليمين البريطاني يوسع دائرة التأثير
يتزامن هذا الخطاب مع تنامي العلاقات بين الإمارات وحزب الإصلاح البريطاني بزعامة نايجل فاراج، في تقارب لا يقتصر على المصالح الاقتصادية، وإنما يمتد إلى ملفات الهجرة والإسلام السياسي والسياسة الخارجية.
ويشير التحقيق الذي نشره موقع «ميدل إيست آي» إلى تحول واضح في موقف فاراج من الإمارات. فبعد سنوات من انتقاد سجلها الحقوقي، بدأ في الظهور في مناسبات إماراتية والإشادة بالنموذج الذي تقدمه أبوظبي، وصولًا إلى تصريحه خلال فعالية في دبي مطلع عام 2026 بأن بريطانيا لديها «الكثير لتتعلمه» من الإمارات، بالتزامن مع إشادته بحظر جماعة الإخوان المسلمين.
وجاء لقاء وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد مع فاراج في لندن خلال مايو 2026 ليعكس مستوى متقدمًا من هذا التقارب، الذي امتد أيضًا إلى شخصيات أخرى داخل حزب الإصلاح، من بينها ريتشارد تايس ونيك كاندي، فضلًا عن رجال أعمال وإعلاميين مرتبطين باليمين البريطاني.
وتشمل شبكة العلاقات كذلك شخصيات ومؤسسات إعلامية ومراكز أبحاث، بما يفتح المجال أمام انتقال المواقف السياسية من دوائر العلاقات الرسمية إلى المجال العام والإعلامي البريطاني.
وفي ملف الهجرة، يظهر تقاطع واضح بين الطرفين، إذ استلهم حزب الإصلاح بعض سياساته من النموذج الإماراتي في تشديد قواعد الإقامة والعمل، بينما يلتقي الطرفان في موقف متشدد من الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين.
من مواجهة الإسلام السياسي إلى التأثير في النقاش الأوروبي
تعكس هذه التحركات مسارًا إماراتيًا يسعى إلى نقل موقف أبوظبي من الإسلام السياسي إلى الساحة الأوروبية، مستفيدًا من تصاعد الجدل بشأن الهجرة والاندماج وصعود تيارات اليمين في عدد من الدول الغربية.
ولا يتوقف الأمر عند تقديم جماعة الإخوان باعتبارها خصمًا سياسيًا، بل يمتد في بعض الخطابات إلى ربط الإسلاميين وقطاعات أوسع من المسلمين بشبكات نفوذ أو مشروعات تستهدف مؤسسات الدول الغربية، وهو ما حذر منه منتقدون باعتباره خطابًا يمكن أن يسهم في تعميق الاستقطاب تجاه الجاليات الإسلامية.
وبحسب الانتقادات التي أوردها كريج، فإن السياسة الإماراتية تجاه هذا الملف تنطلق من رؤية تعتبر أي تعبئة اجتماعية أو سياسية إسلامية خارج سيطرة الدولة مصدر تهديد، وهي رؤية يتم تصديرها إلى الخارج عبر علاقات سياسية وإعلامية متنامية.
وفي المقابل، يوفر صعود اليمين البريطاني للإمارات فرصة لبناء شبكة نفوذ داخل الغرب تتقاطع معها في قضايا الهجرة والإسلام السياسي، بينما يجد حزب الإصلاح في النموذج الإماراتي مرجعًا لبعض تصوراته بشأن ضبط الهجرة وتشديد سياسات الإقامة والعمل.
وبذلك، تتشكل بين أبوظبي ودوائر في اليمين البريطاني مساحة مشتركة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتتحول تدريجيًا إلى شبكة سياسية واقتصادية وإعلامية قادرة على التأثير في طريقة تقديم المسلمين والإسلام السياسي داخل النقاش العام البريطاني، وهو ما يجعل الخطاب الصادر من أبوظبي جزءًا من معركة أوسع على صورة المسلمين وموقعهم داخل المجتمعات الأوروبية.

