رفعت وزارة الإسكان أسعار أراضي بيت الوطن للمصريين بالخارج في مصر بنسب وصلت إلى 100 بالمئة في الإعلان الحادي عشر، وطرحت 4543 قطعة داخل 22 مدينة، فاشتعل غضب المغتربين واتسعت مخاوف السوق.

 

وفي بلد أنهكته الدولرة والغلاء، يبدو الطرح الجديد كأنه تحصيل قاس من المصريين بالخارج لا خدمة لهم، إذ تتحول الأرض العامة إلى سلعة دولارية، ويدفع المواطن في الداخل والخارج ثمن سياسة العقار المنفلت.

 

الأرض بالدولار والحلم يتبخر

 

بالتالي، لم تعد أزمة بيت الوطن مجرد زيادة أسعار، بل صارت علامة على دولة تتعامل مع المصري المغترب كمصدر عملة صعبة، لا كمواطن له حق أصيل في أرض وسكن داخل بلده.

 

كما أن وصول سعر المتر في الشروق إلى 555 دولارا، وفي القاهرة الجديدة ودمياط الجديدة إلى 490 دولارا، يكشف أن المدن الجديدة لم تعد امتدادا عمرانيا للناس، بل خزنة دولارية مفتوحة.

 

ولزيادة الغضب، جاءت القفزات بعد نحو عام ونصف من الطرح العاشر، وهي مدة قصيرة لا تبرر صدمة سعرية بهذا الحجم، إلا إذا كان الهدف تعظيم الحصيلة لا ضبط السوق.

 

لذلك، يصبح الحديث الرسمي عن تيسير الحجز للمصريين بالخارج غطاء رقيقا، لأن التيسير الحقيقي لا يقاس بفتح باب التحويلات، بل بعدالة السعر ومنع المضاربة وحماية الراغبين في السكن.

 

ومن ثم، فإن طرح 4543 قطعة في 22 مدينة لا يبدو توسعا عاديا، بل محاولة منظمة لامتصاص الدولار من الخارج، بينما تتسع الفجوة بين دخل المصريين وأسعار الأرض والسكن.

 

غير أن الحكومة تبرر الرفع أحيانا بمحاصرة الزيادة غير الرسمية في السوق الموازي، لكنها عمليا تنقل تلك الزيادة إلى السعر الرسمي، فتجعل الدولة شريكا في الغلاء بدل أن تكون رقيبا عليه.

 

علاوة على ذلك، يرى كريم جمال، المسؤول في شركة تسويق عقاري، أن أغلب أراضي بيت الوطن تذهب إلى مضاربين أو مقاولين، بينما يحصل الراغبون في بناء بيت عائلي على حصة أقل.

 

المضاربة الرسمية وبيع الندرة

 

بناء على ذلك، تبدو الدولة كأنها لا تواجه المضاربة، بل تعيد تسعيرها لصالحها، فبدلا من تقييد البيع أو تحديد قطعة للأسرة، خففت شروط التنازل وفتحت الباب لدورة أرباح جديدة.

 

في المقابل، تقول مصادر عقارية إن رفع أسعار الأرض يعيد تسعير المناطق المحيطة والشقق القريبة فورا، لأن الأرض تمثل جزءا ضخما من تكلفة إنتاج الوحدة، وتضغط على كل السوق.

 

فضلا عن ذلك، كشف تقرير مدى مصر أن الزيادات الأعلى طالت دمياط الجديدة والشيخ زايد والشروق والمنيا الجديدة و15 مايو، ما يعني أن الضربة لم تقتصر على مدينة واحدة أو شريحة محدودة.

 

كذلك، أظهرت كراسة الشروط أن أخميم الجديدة سجلت 65 دولارا للمتر، مقابل 555 دولارا في الشروق، وهذا الفارق الواسع يعكس تسعير الندرة والموقع أكثر مما يعكس سياسة إسكانية عادلة.

 

وعليه، فإن تسهيل التنازل عن الأراضي يطرح سؤالا خطيرا: هل تريد الدولة أن يسكن المصريون بالخارج، أم تريد تنشيط سوق إعادة البيع وجذب الدولارات ثم ترك الأسعار تشتعل.

 

ثم إن يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والعمران، يرى أن دولرة السكن تخلق منافسة غير عادلة بين من يتقاضون بالدولار ومن يعيشون بالجنيه، بما ينعكس على الحق في السكن.

 

ومن ناحية أخرى، توقع المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، استمرار ارتفاع أسعار العقارات خلال 2026، وهو ما يجعل رفع سعر الأرض شرارة إضافية لا مجرد رقم في كراسة.

 

الدولار يحكم السكن

 

هكذا، يتحول بيت الوطن من مشروع يحمل اسما عاطفيا إلى أداة مالية باردة، فالمغترب الذي خرج بحثا عن رزق أفضل يجد بلده يلاحقه بالدولار عندما يحاول العودة إلى حلم الاستقرار.

 

إضافة إلى ذلك، فإن استقبال التحويلات كأرصدة قبل وضوح الأسعار النهائية خلق شعورا بالارتباك لدى الحاجزين، لأن المال سبق المعلومة، والقرار المالي جاء قبل معرفة تكلفة الأرض كاملة.

 

وبالمثل، فإن ربط أولوية التخصيص بسرعة التحويل يدفع المغتربين إلى سباق دولاري قاس، لا يختلف كثيرا عن طوابير الندرة، حيث يفوز الأسرع لا بالضرورة الأكثر احتياجا أو جدية.

 

مع ذلك، لا يمكن إنكار حاجة الدولة للنقد الأجنبي، لكن تحويل السكن إلى مصدر جباية دائمة يضرب العدالة العمرانية، ويجعل حق المصري في الأرض مشروطا بقدرته على الدفع بالدولار.

 

ومن هنا، تبدو خطة جمع مليارات الدولارات من بيع الأراضي حتى 2029 مؤشرا على فلسفة اقتصادية أعمق، تبيع الندرة وتصدر العقار وتتعامل مع المدن الجديدة كدفتر إيرادات.

 

وفوق ذلك، فإن بيع الأرض بالدولار في بلد تتراجع فيه قيمة الجنيه لا يضر الداخل فقط، بل يرفع توقعات الأسعار كلها، فيتحول السكن من حق اجتماعي إلى مضاربة طويلة الأجل.

 

وبذلك، لا يكون المتضرر هو الحاجز في بيت الوطن وحده، بل كل شاب يبحث عن شقة، وكل أسرة تنتظر وحدة مناسبة، وكل مواطن يدفع ثمن رفع الأرض في سعر السكن.

 

في المحصلة، تكشف الأزمة أن الحكومة لم تبن سوقا عادلة، بل سمحت بتضخم أرضي ثم لحقت به لتأخذ نصيبها، فصار المواطن بين مضارب خاص وسعر رسمي لا يرحم.

 

لذا، فإن المطلوب ليس تبرير الزيادات بل مراجعتها، وفرض قيود حقيقية على المضاربة، وربط التنازل بالاستخدام الفعلي، وإعلان بيانات واضحة عن المستفيدين وحجم التحويلات ومصير الحصيلة الدولارية.

 

وأخيرا، يبقى بيت الوطن عنوانا فاضحا للمفارقة: مشروع موجه للمصريين بالخارج، لكنه يزيد إحساسهم بأن الوطن نفسه صار معروضا عليهم بسعر الدولار، وبشروط لا يكتبها إلا الجائع للعملة.