حذّرت الأمم المتحدة في جنيف من تصاعد خطير في الحرب السودانية، مؤكدة أن أكثر من 1000 مدني قُتلوا بضربات الطائرات المسيّرة بين يناير ومايو 2026، في مؤشر جديد على انتقال الصراع إلى مرحلة أشد فتكًا بالمدنيين.
وجاء التحذير الأممي بينما رفعت الحكومة السودانية مذكرة إلى مجلس الأمن تتهم فيها قوات الدعم السريع بإدارة مراكز احتجاز وانتهاكات واسعة في دارفور، بينها شبهات اتجار بالأعضاء البشرية داخل سجني دقريس وشالا.
تصاعد القتل بالمسيّرات يوسع دائرة الضحايا المدنيين
قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، خلال افتتاح دورة جديدة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، إن النزاع في السودان تمدد وازداد عنفًا منذ اندلاعه في أبريل 2023.
وأوضح تورك أن مكتبه وثق مقتل أكثر من 1000 مدني جراء ضربات جوية نفذتها طائرات مسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وسط ارتفاع حاد في استخدام هذا السلاح.
ويكشف هذا الرقم حجم التحول داخل الحرب، لأن الطائرات المسيّرة لم تعد أداة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى سبب مباشر في قتل المدنيين داخل مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية.
وأكد المسؤول الأممي أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر للحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعدما امتدت الضربات إلى الأسواق والمرافق الصحية والتجمعات المدنية.
وتعني هذه الإشارة أن الاستهداف لم يعد محصورًا في مواقع عسكرية، إذ أصبحت أماكن الحياة اليومية مسرحًا للقصف، بما يفاقم الخسائر البشرية ويضاعف معاناة السكان المحاصرين.
وأشار تورك إلى أن العنف الجنسي والاغتصاب باتا من الانتهاكات الواسعة الانتشار في مناطق الصراع، محذرًا من أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة مع انهيار الحماية.
وبالتوازي مع ذلك، تشهد دارفور وكردفان والخرطوم والنيل الأبيض والنيل الأزرق مستويات متصاعدة من العنف، مع استمرار القتال وتعثر جهود وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية.
وتضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام اختبار مباشر، لأن وقف التصريحات وحده لا يوقف تدفق السلاح ولا يحد من استخدام التقنيات العسكرية التي تزيد كلفة الحرب على المدنيين.
اتهامات سودانية للدعم السريع داخل سجني دقريس وشالا
اتهمت الحكومة السودانية قوات الدعم السريع بإدارة شبكة منظمة للاتجار بالأعضاء البشرية داخل سجني دقريس وشالا في إقليم دارفور، وفق مذكرة رفعتها بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة.
وقالت المذكرة الموجهة إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الاتهامات تشمل الاشتباه في تورط أفراد طبيين أجانب من كولومبيا وصربيا.
وبحسب المذكرة، يشتبه في أن هؤلاء الأفراد شاركوا في استئصال أعضاء من بعض المحتجزين، بينهم أسرى من الجيش السوداني والقوات المشتركة، قبل دفن الجثامين لإخفاء الأدلة الجنائية.
وذكرت البعثة السودانية أن الجثامين دُفنت داخل مقر قيادة الفرقة 16 مشاة، في محاولة لإخفاء الأدلة المرتبطة بالوقائع المنسوبة إلى قوات الدعم السريع في نيالا.
وتقول المذكرة إن الانتهاكات تطال أكثر من 21 ألف معتقل وأسير حرب في سجني دقريس بمدينة نيالا في جنوب دارفور، وشالا بمدينة الفاشر في شمال دارفور.
وأضافت البعثة أن المحتجزين يتعرضون للاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والحرمان من الرعاية الطبية، في ممارسات قالت إنها ترقى إلى جرائم حرب.
وتتضمن الاتهامات أيضًا شبهة جرائم ضد الإنسانية، لأن الوقائع المنسوبة لا تتعلق بحوادث فردية، بل بنمط احتجاز وتعذيب وقتل وحرمان طبي داخل مراكز خاضعة لسيطرة مسلحة.
وأشارت المذكرة إلى أن الحكومة السودانية تلقت تقارير وصفتها بالمقلقة للغاية، تتعلق بعمليات اتجار منظم بالأعضاء البشرية داخل أحد سجون قوات الدعم السريع.
وبحسب الرواية السودانية، يجري اختيار الضحايا من بين محتجزي القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة تحت ذريعة الإفراج عنهم، ثم نقلهم إلى عناصر أجنبية في نيالا.
وتضيف المذكرة أن عمليات استئصال الأعضاء تتم قبل دفن الجثامين لاحقًا داخل مقر قيادة الفرقة 16 مشاة، بما يجعل الاتهامات مرتبطة بمحاولة إخفاء ممنهجة للأدلة.
معتقلون وأطفال وجرحى في قلب الكارثة الإنسانية
قالت البعثة السودانية إن قوات الدعم السريع تحتجز نحو 19 ألفًا و800 محتجز وأسير حرب في سجن دقريس بمدينة نيالا، بينهم عسكريون ومدنيون ونساء وكوادر طبية.
وأوضحت المذكرة أن المحتجزين يضمون 3795 من أفراد القوات المسلحة السودانية، و5000 مدني من الفاشر، و4270 من ضباط الشرطة، و544 من عناصر جهاز المخابرات العامة.
كما تضم القائمة 73 من الكوادر الطبية، و5434 مدنيًا من مختلف المهن، إضافة إلى 690 امرأة، وسط أوضاع وصفتها المذكرة بأنها إنسانية وصحية كارثية.
وفي سجن شالا بمدينة الفاشر، قالت المذكرة إن السجن يضم 881 سجينًا عسكريًا و407 معتقلين مدنيين، بينهم 113 طفلًا دون سن 18 عامًا.
وأضافت البعثة أن بعض الأطفال والمعتقلين يعانون أمراضًا مزمنة وحُرموا من العلاج الكافي، بينما تضم مراكز الاحتجاز مدنيين جرحى أصيبوا جراء القصف على مدينة الفاشر.
وأفادت التقارير الواردة في المذكرة بوفاة نحو 300 معتقل جريح خلال الشهرين الماضيين، نتيجة الجروح الملوثة والإصابات غير المعالجة والعدوى الناتجة عن غياب الرعاية الطبية.
واتهمت المذكرة قوات الدعم السريع بإعدام عشرات المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بينها تصفية 15 مدنيًا جريحًا في جامعة الفاشر بعد اتهامهم بالانتماء للجيش.
وطالبت بعثة السودان مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومفوضية حقوق الإنسان بإدانة الانتهاكات والعمل على إطلاق سراح المعتقلين والأسرى والمحتجزين.
ولم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على الاتهامات الواردة في المذكرة، بينما تسيطر القوات على مراكز ولايات دارفور الخمس غربي البلاد.
في المقابل، يسيطر الجيش السوداني على أغلب مناطق الولايات الأخرى في الجنوب والشمال والشرق والوسط، بينها العاصمة الخرطوم، وسط استمرار الحرب منذ أبريل 2023.
وتعود جذور الحرب إلى خلافات بشأن دمج قوات الدعم السريع في المؤسسة العسكرية، قبل أن يتحول الخلاف إلى صراع واسع مزق مؤسسات الدولة وأدخل البلاد في كارثة ممتدة.
وتسببت الحرب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه، بينما تصف الأمم المتحدة الأزمة بأنها من بين أسوأ أزمات النزوح والجوع عالميًا.
وتكشف الوقائع المتزامنة بين قتل المدنيين بالمسيّرات واتهامات الاتجار بالأعضاء داخل السجون أن الحرب السودانية لم تعد صراعًا على السلطة فقط، بل أصبحت ماكينة مفتوحة لإنتاج الموت والانتهاك والتجويع.
وتبقى حماية المدنيين ووقف تدفق السلاح وإتاحة المساعدات دون عوائق مطالب عاجلة، لأن استمرار الصمت الدولي يمنح أطراف الحرب وقتًا إضافيًا لتوسيع الانتهاكات ودفع السودان إلى انهيار أعمق.

