علن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في القاهرة، أن الدعم الحكومي في مصر لن يكون أبديا، وأن منظومة الدعم ستتحول إلى نظام ديناميكي يسمح بدخول وخروج المستفيدين وفق قواعد محدثة باستمرار.
وتدفع هذه التصريحات ملف الدعم إلى منطقة أشد خطورة على ملايين الأسر، لأن الحكومة تطرح تغيير الحماية الغذائية في ذروة الغلاء، بينما يخشى المواطنون أن يتحول الدعم النقدي إلى مبلغ ثابت تأكله الأسعار.
وتقول الحكومة إن الهدف من إعادة هيكلة منظومة الدعم هو رفع الكفاءة وتقليل الهدر ومنع تسرب الخبز والسلع إلى غير المستحقين، لكنها لا تقدم حتى الآن ضمانة واضحة لحماية قيمة الدعم من التضخم.
ويأتي الجدل بينما يستفيد نحو 71 مليون مواطن من دعم الخبز، ونحو 64 مليون مواطن من بطاقات التموين، بما يجعل أي تغيير في المنظومة قرارا يمس الغذاء اليومي لا بندا محاسبيا.
الدعم الديناميكي يفتح باب حذف المستحقين
قال مدبولي إن برنامج الدعم النقدي يجب أن يكون ديناميكيا، بحيث لا يستمر الدعم لمدة 30 أو 40 عاما من دون تحقق مستمر من استحقاق الأسر المدعومة.
وبحسب التصور الحكومي، سيجري تقسيم المواطنين إلى شرائح، على أن تحصل الفئات الأكثر احتياجا على أعلى قيمة مالية، بينما تتحرك الأسر بين الشرائح وفق تغير أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
لكن هذا المنطق الإداري يثير خوفا واسعا، لأن قاعدة البيانات غير الدقيقة قد تطرد مستحقين فعليين من المنظومة، بينما تبقى أسر أخرى داخلها بسبب أخطاء التسجيل أو ضعف المراجعة الميدانية.
وحذر وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ علاء عبد النبي من أن التحول من الدعم العيني إلى النقدي خطوة خطيرة وحساسة تمس الأمن الاجتماعي لملايين الأسر المصرية.
كما شدد عبد النبي على أن غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة يمثل تحديا كبيرا، لأن التطبيق السريع قد يؤدي إلى خروج مستحقين فعليين أو حصول غير مستحقين على الدعم.
وفي الاتجاه ذاته، وصف النائب أحمد فرغلي التحول في التوقيت الحالي بأنه غير مناسب، ورأى أن الدعم النقدي قد يتحول إلى تحايل غير مباشر إذا فقد قيمته مع التضخم.
وتعزز هذه المخاوف قراءة الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، الذي حذر من أن بدل الدعم النقدي المتداول بقيمة 300 إلى 350 جنيها للفرد سيتآكل مع التضخم الغذائي المرتفع.
وتخدم قراءة الميرغني هذا المحور لأنها تربط بين الاستبعاد الإداري وتآكل القيمة، فالمواطن قد يبقى داخل المنظومة اسما، لكنه يفقد الحماية فعليا عندما لا يشتري المبلغ نفس السلع.
الخبز ليس رقما في الموازنة
تقول الحكومة إن إجمالي دعم الخبز يبلغ نحو 140 مليار جنيه سنويا، وإن ما لا يقل عن 35 مليار جنيه من هذا المبلغ لا يصل إلى المستحقين الفعليين.
وتستخدم هذه الأرقام لتبرير التحول إلى منظومة نقدية أو مختلطة، بحجة أن نسبة التسرب وعدم الكفاءة داخل دعم الخبز لا تقل عن 25% من إجمالي المخصصات.
غير أن معالجة التسرب لا تقتضي إضعاف الحماية، لأن الخلل في البطاقات القديمة وقواعد البيانات يجب أن يعالج بالمراجعة والرقابة، لا بنقل مخاطر الأسعار مباشرة إلى الأسرة الفقيرة.
كما شددت وزارة التموين على وجود تحديات في منظومة الخبز والدعم، بينها بطاقات قديمة وعدم دقة البيانات، وهو اعتراف يثبت أن المشكلة داخل الإدارة قبل أن تكون داخل رغيف المواطن.
وتزداد حساسية الملف لأن الخبز المدعم يمثل ضمانة يومية للفقراء، ولا يستطيع المواطن استبداله بوعد مالي متغير القيمة في سوق ترتفع فيه أسعار الغذاء بوتيرة أسرع من الدخل.
وتشير دراسة منشورة لدى التحالف العربي للعدالة الاجتماعية إلى أن أكثر من 85% من المشاركين في استطلاعات سابقة فضلوا نظام التموين بسبب حصانته النسبية ضد التضخم.
وتوضح الدراسة أن التحويلات النقدية قد تكون مدخلا خفيا لتقليص الرفاه، لأن المبلغ النقدي يحتاج تحديثا مستمرا حتى يحافظ على قوته الشرائية أمام ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، تفيد كتابات الباحثة الاقتصادية سلمى حسين بأن دعم الخبز يمثل حماية مباشرة للفقراء، وأن الأولوية لا تكون بتقليصه بل بإعادة ترتيب الإنفاق العام لصالح الخدمات الأساسية.
وتدعم رؤية حسين هذا العنوان الفرعي لأن الخبز ليس سلعة عادية، بل أداة حماية يومية حين تفقد الأجور قوتها، وحين لا تعوض برامج الحماية النقدية كلفة الغذاء المتحركة.
وتحويل الخبز إلى مبلغ نقدي يعني أن الأسرة ستواجه السوق وحدها، فإذا ارتفع السعر بقيت البطاقة رقما لا يكفي، وإذا تأخرت مراجعة القيمة خسر المواطن جزءا من غذائه.
التضخم يحول الدعم النقدي إلى خصم اجتماعي
يرى مؤيدو الدعم النقدي أنه يقلل الهدر ويمنح المواطن حرية الاختيار، لكن هذه الحجة تسقط عندما لا ترتبط القيمة بآلية تلقائية وملزمة للتحديث مع التضخم الشهري وأسعار الغذاء.
وقد قال زياد بهاء الدين إن الدعم النقدي يمكن أن يكون سليما بشرط ربطه بالتضخم، مؤكدا أن الدعم العيني يحتفظ بميزته لأنه يمنح المواطن نفس الكمية رغم ارتفاع الأسعار.
وتخدم ملاحظة بهاء الدين هذا المحور لأنها تضع شرطا حاسما لأي تحول، فلا معنى لدعم نقدي لا يصاحبه تعديل دوري واضح وشفاف يضمن عدم تآكل قيمته.
كما أكدت الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد، أن الدعم العيني أكثر أمانا من الدعم النقدي في ظل التضخم، وحذرت من الآثار السلبية للتحول في الأوضاع الحالية.
ويكشف هذا التحذير أن الخطر لا يقتصر على قيمة المبلغ عند بداية التطبيق، بل يمتد إلى الأشهر التالية، عندما ترتفع الأسعار ويبقى الدعم رهينة قرار حكومي جديد.
وتتحدث الحكومة عن سيناريوهات تشمل الدعم النقدي أو الدمج بين النقدي والعيني، لكن الضمانة الأهم لا تزال غائبة، وهي منع تحويل الإصلاح إلى باب تدريجي لتقليص عدد المستفيدين.
وبالتوازي، كشفت تقارير صحفية عن إيقاف صرف الخبز والسلع التموينية لبعض البطاقات خلال يونيو 2026 بسبب محددات استحقاق تجري مراجعتها دوريا، وهو ما يزيد قلق الأسر.
وتوضح هذه الوقائع أن الحكومة بدأت فعليا في ممارسة منطق الغربلة، بينما لم يحصل المواطن على مسار تظلم سريع وفعال وعلني يضمن عودة الدعم إذا وقع خطأ إداري.
ومن ثم، يصبح الحديث عن تحديث المستحقين بلا ضمانات بابا لفقدان الحق، لأن الأسرة الفقيرة قد تخرج من البطاقة بسبب مؤشر شكلي لا يعكس دخلها الحقيقي ولا نفقاتها.
ولا تستطيع الحكومة مطالبة المواطنين بالثقة في قاعدة بيانات تعترف هي نفسها بقدمها وعدم دقتها، خصوصا عندما تكون النتيجة المحتملة هي فقدان رغيف الخبز أو تقليص سلع التموين.
وفي النهاية، لا تبدو أزمة الدعم خلافا فنيا بين العيني والنقدي، بل صراعا على من يتحمل كلفة التضخم، الحكومة التي تدير الأسعار والسياسات، أم الأسرة التي تبحث عن الخبز.
وتبقى الخلاصة أن تحويل الدعم إلى مبلغ نقدي بلا ربط تلقائي بالتضخم، وبلا قاعدة بيانات منضبطة، وبلا تظلمات عادلة، سيجعل الإصلاح اسما ناعما لخفض الحماية الاجتماعية عن الفقراء.

