استهدفت قوات الدعم السريع، اليوم الأحد، مدينة الرهد ومناطق شرقي مدينة الأُبيِّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في السودان، بهجمات عبر الطائرات المسيّرة، وفق إفادات شهود عيان، في تصعيد جديد يعكس انتقال المعارك في الإقليم إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها الضربات عن بُعد واتساع دائرة الاستهداف حول المدن والمرافق الحيوية.
وتأتي هذه الهجمات بعد ساعات من إعلان الجيش السوداني تنفيذ غارات بالطيران المسيّر على متحرك لقوات الدعم السريع في منطقة سودري شمال غربي الأُبيِّض، قال إنها أسفرت عن تدمير آليات قتالية كانت في طريقها لتعزيز محاور القتال حول المدينة، ما يؤشر إلى أن شمال كردفان باتت إحدى الساحات الأكثر سخونة في الحرب السودانية، مع تحوّل المسيّرات إلى أداة رئيسية في إدارة المواجهات.
الرهد وشرق الأُبيّض تحت ضغط الهجمات
أفاد شهود عيان بأن مدينة الرهد ومناطق شرقي الأُبيِّض تعرضت لهجمات مسيّرة من جانب قوات الدعم السريع، وسط حالة من القلق بين السكان، خاصة مع تكرار الضربات خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة في مناطق قريبة من التجمعات المدنية والطرق الحيوية ومحيط المرافق الخدمية.
وتكتسب مدينة الأُبيِّض أهمية خاصة بحكم موقعها في شمال كردفان، وارتباطها بمحاور طرق استراتيجية تربط وسط السودان بغربه، وهو ما يجعل السيطرة على محيطها أو الضغط عليها عسكريًا هدفًا بالغ الأهمية لطرفي الحرب، خصوصًا مع محاولات الدعم السريع التمدد في كردفان وفرض معادلة ميدانية جديدة.
في المقابل، يسعى الجيش السوداني إلى منع وصول تعزيزات عسكرية إلى محاور القتال حول المدينة، وهو ما ظهر في إعلانه استهداف متحرك للدعم السريع في سودري شمال غربي الأُبيِّض. وبحسب رواية الجيش، فإن الضربات دمرت آليات قتالية كانت تتحرك لدعم قوات الدعم السريع، في مؤشر على أن المعارك لم تعد مقتصرة على الاشتباكات المباشرة، بل باتت تعتمد على الاستهداف الاستباقي وخطوط الإمداد.
هذا التصعيد يضع سكان الرهد والأُبيِّض ومحيطهما أمام واقع أمني بالغ الهشاشة، إذ إن تكرار الضربات الجوية والمسيّرة يربك الحياة اليومية، ويعطل الأسواق والتنقل، ويدفع كثيرين إلى النزوح أو الاحتماء داخل الأحياء، في ظل محدودية الخدمات الطبية وتراجع قدرة المستشفيات على التعامل مع موجات الإصابة المتكررة.
المسيّرات تتحول إلى سلاح يومي في الحرب
خلال الأشهر الماضية، كثفت قوات الدعم السريع اعتمادها على الطائرات المسيّرة في تنفيذ هجمات ضد مواقع مدنية وعسكرية في مناطق متفرقة من السودان، في تحول لافت في طبيعة الحرب التي بدأت باشتباكات مباشرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، ثم اتسعت لتشمل المدن والطرق والمنشآت الحيوية.
وشملت الهجمات السابقة مدنًا ومرافق خدمية وبنى تحتية، ما تسبب في سقوط ضحايا من المدنيين وإلحاق أضرار مادية واسعة. ولم تعد المسيّرات مجرد وسيلة للاستطلاع أو استهداف مواقع محدودة، بل تحولت إلى أداة ضغط عسكري ونفسي، تضرب العمق وتربك خطوط الحركة وتزيد من شعور السكان بانعدام الأمان.
وتنفذ قوات الدعم السريع، التي يقودها محمد حمدان دقلو، هجمات متكررة على مدينة الأُبيِّض وعدد من مدن إقليم كردفان، إلى جانب محاولات متقطعة لاستهداف مواقع داخل العاصمة الخرطوم. ويعكس ذلك رغبة واضحة في توسيع نطاق المواجهة وإظهار القدرة على الوصول إلى مناطق متعددة، حتى في ظل الضربات المضادة التي ينفذها الجيش.
في المقابل، بات الجيش السوداني يستخدم الطيران المسيّر بصورة متزايدة لاستهداف تحركات الدعم السريع، خصوصًا المتحركات العسكرية وخطوط الإمداد. وبذلك دخلت الحرب مرحلة تتسابق فيها الأطراف على امتلاك اليد الأطول، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر نتيجة سقوط الضربات قرب الأسواق والمنازل والمرافق العامة.
ويحذر مراقبون من أن تصاعد استخدام المسيّرات قد يجعل الحرب أكثر عشوائية واتساعًا، لأن هذا النوع من السلاح لا يقتصر أثره على الجبهة العسكرية، بل يخلق حالة دائمة من الخوف في المدن، ويجعل أي تجمع مدني أو طريق أو منشأة عرضة للاستهداف أو الاشتباه.
كردفان بين القتال والجوع والنزوح
لا ينفصل التصعيد في شمال كردفان عن الكارثة الإنسانية الأوسع التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فقد دخلت الحرب عامها الرابع، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى، وسط تقديرات تشير إلى أن الحصيلة قد تكون أعلى بكثير، مع نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.
وتزداد خطورة الوضع في كردفان ودارفور تحديدًا بسبب تداخل المعارك مع أزمة الغذاء وانهيار الخدمات. فالهجمات المتكررة تعطل الأسواق وتمنع وصول المساعدات وتؤدي إلى توقف المرافق الصحية والتعليمية، بينما يجد السكان أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت القصف، أو النزوح في ظروف قاسية بلا ضمانات للغذاء أو العلاج أو المأوى.
وتشير تقديرات أممية إلى أن الضربات بالمسيّرات أصبحت سببًا مباشرًا في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بعدما قُتل ما لا يقل عن 880 مدنيًا بسببها في أنحاء السودان بين مطلع 2026 وأبريل، وهو رقم يعكس مدى التحول الخطير في أدوات الحرب، خاصة مع امتداد هذه الضربات إلى مناطق مأهولة بالسكان.
ومع استمرار المعارك في محيط الأُبيِّض والرهد وسودري، تبدو شمال كردفان مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا واصلت قوات الدعم السريع محاولة الضغط على المدينة، واستمر الجيش في استهداف المتحركات القادمة لتعزيز الجبهات. وبين الطرفين، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في حرب تزداد قسوة واتساعًا.
ويكشف المشهد الأخير في كردفان أن السودان لا يواجه فقط حربًا بين قوتين مسلحتين، بل يواجه انهيارًا متواصلًا في مقومات الحياة، حيث تتقاطع المسيّرات مع الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، لتتحول المدن إلى ساحات مفتوحة للخوف، وتصبح كل ضربة جديدة إنذارًا بأن الحرب تمضي نحو مزيد من التمدد والتدمير.

