سجلت مناطق جنوب وشرق اليمن 18 حالة وفاة وأكثر من 4 آلاف إصابة بحمى الضنك منذ مطلع عام 2026، في حصيلة جديدة تكشف اتساع رقعة المرض داخل محافظات تعاني من ضعف الخدمات الصحية وتدهور البنية التحتية بعد سنوات طويلة من الحرب.
وقال مسؤول الإعلام في مكتب الصحة العامة بمحافظة تعز، تيسير السامعي، إن إجمالي الإصابات المسجلة في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا بلغ نحو 4819 إصابة، إلى جانب 18 وفاة، خلال الفترة من يناير حتى مطلع يونيو 2026، في محافظتي عدن وحضرموت.
عدن في صدارة الإصابات والوفيات
وتصدرت محافظة عدن قائمة المناطق الأكثر تضررا من حمى الضنك، بعد تسجيل 1243 إصابة و12 حالة وفاة، بما يمثل نحو 67% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالمرض في المناطق التي شملتها البيانات الصحية الأخيرة.
وتكشف هذه الأرقام حجم الضغط الذي تعيشه عدن، وهي مدينة ساحلية كبيرة تعاني من تراجع الخدمات الأساسية، وانقطاع متكرر في الكهرباء، ومشكلات في الصرف الصحي، وتراكم المياه الراكدة في عدد من الأحياء.
كما تعكس وفيات عدن خطورة تأخر التدخل الصحي، لأن حمى الضنك قد تبدأ بأعراض تشبه الحمى العادية، لكنها تتحول في بعض الحالات إلى نزيف ومضاعفات خطيرة عندما لا يحصل المريض على متابعة طبية سريعة.
وبحسب السامعي، تمثل حصيلة العام الحالي زيادة ملحوظة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، عندما سجلت منظمة الصحة العالمية نحو 3900 إصابة و14 وفاة في عدن وحضرموت، قبل اتساع المنحنى الوبائي الحالي.
ويعني ذلك أن المرض لم يعد موجة عابرة، بل أصبح مؤشرا على فشل أنظمة الترصد والمكافحة في بيئة تسمح للبعوض الناقل بالتكاثر، خاصة مع ضعف حملات الرش وردم المستنقعات وصيانة شبكات الصرف.
ولا تملك كثير من الأسر في الأحياء الفقيرة قدرة مالية كافية للوصول إلى الرعاية المبكرة، وهو ما يزيد احتمال تأخر التشخيص، ويجعل الحالات الشديدة أكثر عرضة للمضاعفات والوفاة داخل نظام صحي مرهق.
مرض ينمو في بيئة الحرب والمياه الراكدة
تنتقل حمى الضنك إلى الإنسان عبر لدغات البعوض، ويكتسب البعوض الفيروس عادة بعد امتصاص دم شخص مصاب، ثم ينقل العدوى إلى آخرين، خصوصا في البيئات الحارة والرطبة والمزدحمة.
وتشمل أعراض المرض ارتفاعا في درجة الحرارة، وصداعا حادا، وآلاما في المفاصل والعضلات والعظام، إضافة إلى ألم خلف العينين، وقد تتطور بعض الحالات إلى نزيف من الأنف أو مضاعفات خطيرة.
وتتسارع عدوى الضنك في المناطق التي تعاني من ضعف أنظمة الصرف الصحي وتراكم المياه الراكدة، وهي ظروف موجودة في عدد واسع من المدن اليمنية، نتيجة الحرب وتراجع الخدمات البلدية وتلف البنية التحتية.
كما تزيد الأمطار الموسمية والحرارة المرتفعة من فرص تكاثر البعوض، خصوصا عندما تتجمع المياه في الحفر والخزانات المكشوفة والإطارات القديمة ومحيط المنازل، وهي مصادر يصعب التخلص منها دون حملات منظمة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل انتشار حمى الضنك عن أزمة النظافة والمياه، لأن المواطن الذي لا يحصل على خدمة صرف منتظمة أو مياه آمنة يصبح محاصرا بأسباب المرض داخل بيئته اليومية.
وتؤكد منظمات صحية دولية أن الأمراض المنقولة بالبعوض ما زالت تهدد اليمن، خاصة في مناطق النزوح والتغيرات البيئية وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل الضنك جزءا من أزمة صحية ممتدة.
انهيار صحي يضعف الاستجابة للأوبئة
ويواجه اليمن بذلك واحدة من أكثر الأزمات الصحية تعقيدا في المنطقة، بعدما أدت سنوات الحرب إلى إضعاف المستشفيات، ونقص الأدوية، وتراجع قدرات المختبرات، وانخفاض قدرة السلطات الصحية على رصد الأمراض وملاحقة بؤر العدوى.
وتتعامل المستشفيات والمراكز الصحية مع حمى الضنك وسط أعباء متزامنة، تشمل سوء التغذية، والكوليرا، والحصبة، والملاريا، والإصابات الناتجة عن النزاع، وهو ما يترك القطاع الصحي أمام ضغط يفوق موارده المتاحة.
كما يؤدي نقص الوقود والكهرباء إلى تعطيل خدمات حيوية في المرافق الصحية، خصوصا خدمات المختبرات والتبريد والطوارئ، بينما تحتاج حالات الضنك الشديدة إلى متابعة دقيقة للسوائل والصفائح الدموية والمؤشرات الحيوية.
وفي ظل محدودية التمويل الإنساني، تتراجع حملات مكافحة نواقل الأمراض، وتضعف قدرة فرق الاستجابة على الوصول إلى المناطق النائية أو المتضررة من النزاع، فتظل بؤر البعوض نشطة لفترات أطول.
وتحذر مؤشرات السنوات الأخيرة من أن الضنك أصبح مرضا متوطنا في مناطق يمنية عدة، إذ سجلت البلاد عشرات الآلاف من الحالات خلال سنوات سابقة، مع تكرار موجات الارتفاع في المحافظات الساحلية والجنوبية.
وبينما تحتاج المواجهة إلى رش منتظم، وإزالة مصادر المياه الراكدة، وتوسيع الفحوص، وتوعية السكان، تكشف الحصيلة الجديدة أن الاستجابة الحالية لا تزال أقل من حجم الخطر الذي يهدد المدنيين.
وفي المحصلة، لا تمثل أرقام 2026 مجرد حصيلة صحية، بل تكشف وجها آخر للحرب في اليمن، حيث يموت المدنيون من مرض يمكن الحد منه عندما تعمل الخدمات الصحية والبلدية والوقائية بكفاءة.

