حسين عبد العزيز
كاتب ومحلل سياسي ومنتج أخبار سابقا في قنوات فضائية
لا يتوقف تطبيع العلاقات بين الدول على شخص هنا أو هناك، لأن العلاقات بين الدول تحكمها مصالح كبرى، هذا هو منطق البراغماتية التي تحكم العلاقات الدولية.
غير أنه في العالم العربي يختلف الأمر، فتفسير المواقف والظواهر السياسية لا يكون عبر المنطق البراغماتي في كثير من الحالات، ولا عن طريق معرفة المتغير الرئيسي في تفسير الظواهر السياسية، بل يجب اللجوء إلى علم النفس السياسي، حيث قرارات الحكام وسياساتهم تعتمد على اختلاجات نفسية.
على سبيل المثال، ما هي الأسباب الاستراتيجية الكبرى التي تجعل من دولة الإمارات تتحالف مع إسرائيل بهذا الشكل؟ وما هي الأسباب التي تدفع قيس سعيد للانقلاب على منجزات الثورة التونسية؟ وما الذي يجعل الرئيس المصري يرفض الانفتاح على سوريا؟
إن أي محاولة منطقية لتفسير هذه السلوكيات سيكون مصيرها الفشل، إذ لا وجود لاعتبارات براغماتية تحكم السلوك السياسي.
مناسبة هذه المقدمة، رفض القاهرة تطبيع علاقاتها بشكل جدي مع سوريا، وكانت أخر مناسبة لهذا الموقف، رفض الخارجية المصرية اعتماد أوراق سفير سوريا لديها، محمد طه الأحمد، الذي يشغل منصب مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، رئيسا للبعثة السورية، من دون تحديد السبب المباشر لهذا الرفض.
في بلدين عربيين مهمين مثل مصر وسوريا، لا يمكن أن يكون مصير العلاقة بينهما مرتبطًا بتعيين سفير، أو بتعيين البعثة الدبلوماسية، فعادة لا تتدخل الدولة المضيفة للبعثة في مثل هذا التعيين، حتى لو كان ثمة استياء من شخص في هذه البعثة، وإن كانت معاهدة فيينا لعام 1961 نظمت تعيين السفراء بين الدول فق الخطوات التالية: اختيار المرشح من قبل الدولة المرسلة (الدولة التي تريد إرسال السفير)، طلب الموافقة المسبقة من الدولة المستقبِلة، حق الدولة المستقبِلة في الرفض، إصدار أوراق الاعتماد، تقديم أوراق الاعتماد إلى رئيس الدولة المستقبِلة.
ومع ذلك، فقلما حدث بين الدول أن ارتبط تطوير العلاقات الثنائية بمسألة تعيين سفير هنا أو هناك، لأن الأهمية تكمن في تطبيع العلاقة بين الدولتين، ولعل حالة سوريا والأردن أفضل مثال، إذ عين نظام الأسد بهجت سليمان، أحد أوسخ رجال الأمن في سوريا سفيرًا في الأردن عام 2009، ورغم كره السلطات الأردنية لهذا الشخص، فلم تتخذ مواقف من شأنها أن تؤثر على العلاقة مع سوريا، واكتفت بإخضاع الرجل للمراقبة.
منذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى السلطة عام 2013، كان الأمن المعيار الوحيد في التعاطي مع سوريا، ولذلك لم تكتف القاهرة بعدم اتخاذ مواقف حدية من نظام الأسد على غرار معظم الدول العربية فحسب، بل أقامت تعاونًا أمنيًا سريًا مع نظام الأسد بسبب تلاقي المصالح في محاربة الإسلاميين.
اليوم، وبعد سقوط الأسد، بقي الاعتبار الأمني حاكمًا لرؤية القاهرة لمستقبل العلاقة مع سوريا، على الأقل كما يبدو في الظاهر.
غير أن تحليلًا عميقًا للوضع في سوريا يكشف زيف هذا الادعاء، وأن الموقف المصري مرتبطًا بالاعتبارات الشخصية للرئيس السيسي أكثر من ارتباطه بالاعتبارات السياسية، كما هو الحال مع الإمارات العربية، وليس مع السعودية التي تتقاسم مع مصر والإمارات العداء للإسلاميين الراديكاليين وللإخوان المسلمين.
لكن السعودية خطت طريقًا مختلفًا، فلو كانت المصالح السياسية للدول هي الحاكمة، لكانت السعودية حاربت الحكم الجديد في سوريا، ولكانت الإمارات اتخذت موقفًا حياديًا على الأقل، فهي بعيدة جغرافيًا عن سوريا، ولا تأثير سلبي يطالها من طبيعة الشخوص الحاكمة في دمشق، والأمر ذاته ينطبق على مصر.
يمكن تفسير الموقفين الإماراتي والمصري من دمشق بما يلي:
بالنسبة للإمارات، وببساطة فإن معيار مواقفها وسلوكها في المنطقة مرتبط بالمصالح الإسرائيلية مباشرة، وبالنسبة للقاهرة يكمن الخوف من نجاح التجربة السورية في الحكم، بما يعيد الاعتبار والثقة لهذا النمط من الحكم الإسلامي في عيون الشارع العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص.
هذا هو السبب الرئيس في تقديري للموقف المصري البارد تجاه دمشق، ولو كانت القضية مرتبطة بشخصيات مصرية متواجدة في سوريا ولها وزنها في المنظومة الأمنية والعسكرية السورية، لكان من باب أولى أن تتقرب القاهرة من دمشق أكثر وتقيم معها علاقات ممتازة، وفي هذه الحالة تكون القاهرة في موقف يمكنها من ممارسة الضغط على حكام سوريا، لأنهم في هذه الحالة لن يرفضوا المطالب المصرية، والمخاطرة بخسارة العلاقة مع أكبر وأقوى دولة عربية من أجل بضعة شخوص، مهما كانت أهميتهم كبيرة بالنسبة للحكام في سوريا.
وعلى الرغم من الموقف المصري وطبيعته، إلا أن الحكام الجدد في دمشق مطالبين بالانصياع للمطالب المصرية، لأن مصر أكبر من أي شخص، ومكانتها الكبيرة ضرورة لكل بلد عربي، فكيف الحال بسوريا التي تتلمس طريقها نحو التعافي.
لن تستقيم سوريا إقليميا إلى بتعافيها مع دولتين: مصر والسعودية، وبجناحين آخرين هما تركيا وقطر، ولم يبق في هذا المربع الإقليمي سوى مصر، الأقوى والأقدر على التأثير.

