برأت محكمة في ستراسبورج بفرنسا عالمة الأنثروبولوجيا فلورنس بيرجود-بلاكيلر في دعوى تشهير رفعتها ضدها إيمان الفقي طالبة الدكتوراه في جامعة ستراسبورج، زعمت أنها تنتمي إلى جماعة "الإخوان المسلمين".
وكانت جلسة الاستماع مقررة في 11 يونيو الجاري، لكن لم تسمح المحكمة ببدء النقاش القانوني، بعد أن أدى خطأ من مكتب المدعي العام إلى رفض المحكمة للقضية.
تفاصيل القضية
وتعود التفاصيل إلى ما قبل 15 شهرًا، وتحديدًا في 4 مارس 2025، استهدفت بيرجو-بلاكير، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمتخصصة في فكر جماعة الإخوان المسلمين، بتغريدة أشارت فيها إلى "فكر جماعة الإخوان المسلمين" الذي "ترسخ تدريجيًا في الجامعات على مدى الثلاثين عامًا الماضية".
وجاء ذلك بعد أن نشرت الفقي، عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، صورةً لمسيرةٍ تُطالب بتحرير فلسطين من البحر إلى نهر الأردن ، وهو شعارٌ سياسيٌّ مناهضٌ للصهيونية.
وعلقت بيرجو-بلاكير حينها: "لا تظنوا أن هذه حالةٌ معزولة". وأضافت: "ترسّخت أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين تدريجيًا في الجامعات على مدى الثلاثين عامًا الماضية. وتلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الدراسات حول الإسلام المعاصر، وتُسيطر على هيئات تحرير المجلات التي لا تسمح بأي نهجٍ نقدي. وهذا ما يُسمى "أسلمة المعرفة"، وهو مشروعٌ لجماعة الإخوان المسلمين، كما أوضحتُ في كتابي "الإخوان وشبكاتهم" (2023)".
ورفعت باحثة الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة ستراسبورج، دعوى قضائية ضدها بتهمة "التشهير العلني على أساس الأصل أو العرق أو الجنسية أو الدين".
بيرجو-بلاكير منصة هجوم ضد الأكاديميين
وتعرف بيرجو-بلاكير بهجماتها المتكررة على الأكاديميين والمؤسسات. فقد هاجمت أكثر من 50 أكاديميًا منذ عام 2022 ، وفقًا لصحيفة "لوموند". وتتمثل تكتيكاتها المتكررة في الإيحاء، في بضع جمل موجهة إلى 68 ألف متابع لها، بوجود صلات بين الأفراد المستهدفين وجماعة الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي، وهو مجال بحثها.
وقالت منصة "رو 89 ستراسبورج" (rue89 strasbourg) إن هذه الطريقة فعّالة بشكل ملحوظ على منصة إكس، حيث تنتشر التلميحات بسرعة ويمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على المستهدفين.
وأشارت إلى أن هذه الممارسة، البعيدة كل البعد عن المعايير الأكاديمية، تُثير قلقًا في الأوساط العلمية، نظرًا لعدم رد فعل المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.
مع ذلك، لا تعرف الباحثتان بعضهما، ويركز عملهما على موضوعين مختلفين. إذ تدرس الفقي، طالبة الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة ستراسبورج، السياسات العامة لمكافحة التطرف في السجون. وتشير إلى أنها حصلت على التصاريح الأمنية اللازمة لدخول السجون في منطقة جراند إيست بعد عملية تحقق شملت عدة مستويات إدارية، بما في ذلك مكتب رئيس الوزراء.
https://www.rue89strasbourg.com/erreur-judiciaire-iman-el-feki-florence-bergeau-blackler-diffamation-390621
جامعة ستراسبورج تدعم الفقي
وحظيت الفقي بدعم معنوي ومالي استثنائي من رئيسة جامعة ستراسبورج لتغطية جزء من تكاليف محاميها في الدعوى، مما أثار جدلاً سياسيًا واسعًا في فرنسا حول حدود حرية التعبير والدعم الأكاديمي.
وأشار لويس كاييه محامي بيرجو-بلاكيلر إلى أن الفقي شاركت، كمتحدثة رئيسة، في مؤتمر "التجمع ضد الإسلاموفوبيا في أوروبا" (CCIE)، المعروف بقربه من جماعة الإخوان المسلمين، والذي تم بثه مباشرة على شبكة تيليجرام في 19 ديسمبر 2024.
وفي 5 مايو، ألقت محاضرة في جامعة ستراسبورج لصالح "الطلاب المسلمون في فرنسا" (EMF)، وهو الفرع الطلابي لـ "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (UOIF)، الذي أصبح مسلمي فرنسا في عام 2017، وهي منظمة صنفتها الحكومة الفرنسية على أنها الفرع الوطني لجماعة الإخوان المسلمين.
بطلان الدعوى
وأصدرت محكمة ستراسبورج الخميس 11 يونيو، حكمًا يقضي ببطلان الدعوى التي رفعتها الفقي.
وخلال الجلسة، لم تنظر المحكمة في "جوهر القضية" أو مدى صحة اتهامات التشهير. وبدلاً من ذلك، قُضي ببطلان الملاحقات القانونية للأسباب التالية:
طبيعة الخطأ الإجرائي بعدم تحديد العبارات بدقة: ينص قانون الصحافة الفرنسي لعام 1881 على ضرورة صياغة وثيقة الاتهام وتحديد المقاطع والعبارات المُجرّمة والمُدعى عليها بوضوح تام ودون أي غموض.
مشكلة التظليل والتمييز: تمحور العيب الشكلي حول كيفية الإشارة وتحديد الفقرات المطعون فيها داخل عريضة الدعوى (مثل كتابتها بخط عريض أو وضع خط تحتها).
وأدى هذا العيب الإجرائي الذي وقعت فيه النيابة العامة إلى تجريد الدعوى من شروطها الشكلية اللازمة لحماية حقوق الدفاع، مما دفع المحكمة لإلغاء المتابعة القضائية تلقائيًا.
واحتفت بيرجو-بلاكير بهذا "الانتصار" القانوني. وقال كاييه لصحيفة "جي دي دي": "لقد اتبعت المحكمة البوصلة الوحيدة المهمة: القانون (ولا شيء غير القانون)، في قضية ذات دوافع أيديولوجية تهدف إلى إسكات عمل فلورنس بيرجو-بلاكير الشجاع والحيوي حول تسلل جماعة الإخوان المسلمين إلى الأوساط الأكاديمية الفرنسية"، وفق قوله.

