كشفت نتائج استطلاع البنك الدولي لبيئة الأعمال في مصر لعام 2025، والذي شمل 1024 شركة بين سبتمبر 2025 ويناير 2026، أن الكهرباء تصدرت أكبر معوقات الشركات، بنسبة 16.2% من المشاركين، قبل الفساد والسوق غير الرسمي.

 

وتضع هذه النتيجة الحكومة أمام فضيحة اقتصادية مباشرة، لأن الشركة التي لا تضمن كهرباء مستقرة لا تستطيع تشغيل خط إنتاج أو تثبيت تكلفة أو توسيع نشاط، بينما تواصل السلطة الحديث عن جذب الاستثمار دون تأمين شروطه الأساسية.

 

الكهرباء على رأس العراقيل لا في هامشها

 

أظهر الاستطلاع أن 35.6% من الشركات في مصر تعرضت لانقطاعات كهرباء، بمتوسط 4.2 انقطاع شهريًا، وهي أرقام تشرح لماذا تحولت الطاقة من خدمة تشغيلية بديهية إلى أكبر عقبة أمام بيئة الأعمال.

 

وبحسب بيانات البنك الدولي، احتاجت الشركات التي تقدمت للحصول على توصيل كهرباء إلى 88.8 يومًا للحصول على الخدمة، وهو تأخير يحول قرار الاستثمار إلى انتظار إداري طويل قبل بدء الإنتاج أو التوسع.

 

في هذا المحور، يوضح الباحث بن سوليس، في ورقة للبنك الدولي عن معاناة الشركات مع انقطاعات الكهرباء، أن الكهرباء الموثوقة شرط أساسي لنمو الشركات، لأن الانقطاعات ترفع التكلفة وتربك الإنتاج وتخفض القدرة التنافسية.

 

لذلك لا يمكن للحكومة أن تتعامل مع أزمة الكهرباء كملف فني منفصل، لأن ضعف استقرار الطاقة يضرب المصنع والمتجر والخدمة اللوجستية، ويجبر الشركات على شراء بدائل أعلى تكلفة أو تقليل ساعات التشغيل.

 

كما يكشف تصدر الكهرباء قائمة المعوقات فشلًا في ترتيب الأولويات الاقتصادية، فالمستثمر لا يبدأ بحساب الحوافز الضريبية فقط، بل يسأل أولًا عن التيار الكهربائي المنتظم وتكلفة الطاقة واستقرار الخدمات الأساسية حول مشروعه.

 

وبالتزامن مع شكاوى الشركات، تتضرر العمالة مباشرة من اضطراب التشغيل، لأن توقف الإنتاج يعني ساعات عمل أقل أو تكاليف أعلى أو تأجيل توسعات، وفي النهاية يدفع العامل وصاحب المشروع ثمن عجز البنية الأساسية.

 

الفساد والسوق غير الرسمي يضغطان على الشركات

 

جاء الفساد في المرتبة الثانية بين أكبر معوقات بيئة الأعمال في مصر بنسبة 14.9%، بينما جاءت ممارسات القطاع غير الرسمي في المرتبة الثالثة بنسبة 13.2%، وهو ترتيب يكشف أن الأزمة إدارية وهيكلية لا كهربائية فقط.

 

وتوضح بيانات البنك الدولي أن 41.1% من الشركات الرسمية قالت إنها تنافس شركات غير مسجلة أو غير رسمية، ما يعني أن الشركات الملتزمة بالقانون تواجه منافسين لا يتحملون نفس الضرائب والرسوم والاشتراطات.

 

في هذا السياق، يقدم الباحث عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية في القاهرة، تفسيرًا مهمًا للأزمة، إذ يرى أن الاقتصاد المصري يعاني من اتساع غير رسمي وفجوة ثقة بين الدولة والمجتمع الاقتصادي.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي أن تطالب الحكومة الشركات بالتسجيل والامتثال، ثم تترك السوق غير الرسمي يعمل خارج الرقابة بتكاليف أقل، لأن هذه المعادلة تعاقب المستثمر الملتزم وتكافئ من يهرب من القواعد.

 

كما أظهر الاستطلاع أن 78.8% من الشركات قابلت أو طُلب منها مقابلة مسؤولين ضريبيين، وهو مؤشر يشرح ضغط الجهاز الإداري اليومي على الشركات، حتى عندما لا يظهر ذلك في عناوين الاستثمار الرسمية.

 

إضافة إلى ذلك، سجلت الشركات 85.7 يومًا للحصول على تصريح بناء، و13.3 يومًا للحصول على رخصة تشغيل، وهي مدد تكشف أن البيروقراطية تستهلك وقت الاستثمار قبل أن تبدأ عجلة الإنتاج أصلًا.

 

لذلك يصبح الحديث الحكومي عن تحسين مناخ الاستثمار ناقصًا بلا إصلاح رقابي وإداري فعلي، لأن الشركة التي تواجه فسادًا ومنافسة غير رسمية وتأخيرات ترخيص لا ترى في السوق فرصة، بل مخاطرة متراكمة.

 

التمويل والعمالة والجريمة تكمل دائرة الخنق

 

وأظهر الاستطلاع أن عدم الاستقرار السياسي سجل 11.1% ضمن أكبر معوقات الشركات، بينما بلغت صعوبات الحصول على التمويل 7.8%، ونقص العمالة المؤهلة 7.8%، والجريمة والسرقة والفوضى 7.8%.

 

وتعني هذه المؤشرات أن الشركات لا تعاني من عقبة واحدة، بل من دائرة متصلة تبدأ بالطاقة، وتمتد إلى التمويل، ثم العمالة، ثم الأمن، ثم القيود الإدارية التي تجعل التوسع قرارًا محفوفًا بالمخاطر.

 

وبحسب بيانات البنك الدولي، استخدمت 8.9% فقط من الشركات البنوك لتمويل الاستثمارات، بينما اعتمدت 88% من الاستثمارات على التمويل الداخلي، وهو رقم يوضح ضيق القنوات التمويلية أمام قطاع خاص يفترض أنه محرك النمو.

 

في هذا الإطار، يذهب الباحث يزيد صايغ، من مركز كارنيغي، إلى أن توسع الاقتصاد المملوك للدولة والجيش يستحوذ على موارد وإيرادات عامة، ويزاحم الشركات الخاصة، بما يضعف الاستثمار المنتج خارج الدائرة الرسمية.

 

وهنا تظهر صعوبة التمويل كجزء من مشكلة أكبر، لأن الحكومة التي تزاحم بالاقتراض والمشروعات العامة تترك الشركات الخاصة أمام تكلفة تمويل مرتفعة، ثم تطالبها بالتوسع والتشغيل والتصدير في بيئة غير متكافئة.

 

أما نقص العمالة المؤهلة، فيكشف خللًا آخر في سياسات التعليم والتدريب، إذ لا تستطيع الشركات رفع الإنتاجية عندما لا تجد مهارات مناسبة، بينما تظل برامج التأهيل بعيدة عن احتياجات المصانع والخدمات الفعلية.

 

كذلك يضع ارتفاع الجريمة والسرقة والفوضى بين المعوقات العشرة الأولى سؤال الأمن الاقتصادي على طاولة الحكومة، لأن حماية النشاط التجاري لا تعني حماية المنشآت فقط، بل ضمان بيئة تشغيل مستقرة طوال العام.

 

وفي النهاية، لا يقول استطلاع البنك الدولي إن مصر تحتاج دعاية استثمارية جديدة، بل يقول إن الشركات تريد كهرباء مستقرة، وإدارة أقل فسادًا، وسوقًا رسميًا عادلًا، وتمويلًا متاحًا، وعمالة مؤهلة، وهي شروط لم توفرها الحكومة حتى الآن.