فتحت المحكمة العليا الإسرائيلية الباب أمام تنفيذ مشروع تسقيف الساحة الداخلية للمسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، بعد رفضها الالتماس الفلسطيني المعترض على المشروع، في قرار وصفه مسؤولون ومختصون بأنه الأخطر منذ سنوات، نظراً لما يحمله من تداعيات دينية وقانونية وتاريخية تمس أحد أبرز المعالم الإسلامية والتراثية في فلسطين.
ويرى مراقبون أن القرار لا يقتصر على الموافقة على مشروع إنشائي داخل المسجد، بل يمثل تحولاً نوعياً في مسار السيطرة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي، ويمنح سلطات الاحتلال غطاءً قانونياً للمضي في إجراءات تهدف إلى تغيير الواقع القائم داخل المسجد، وسط تحذيرات من فرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
قرار قضائي يمهد لتغييرات واسعة
جاء القرار بعد أشهر من تصديق ما يسمى بـ"المجلس الأعلى للتخطيط" التابع للإدارة المدنية الإسرائيلية، في يناير 2026، على سحب صلاحيات التخطيط المتعلقة بالمسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل، بحجة تسهيل إصدار التراخيص اللازمة لمشروع تسقيف صحن المسجد.
وفي العشرين من مايو الجاري، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الاستئناف الفلسطيني المقدم ضد المشروع، وأبقت على قرار مصادرة صلاحيات التخطيط، كما سمحت بالمضي قدماً في تنفيذ مشروع التسقيف المتوقع البدء به خلال الفترة المقبلة.
ويُنظر إلى هذا القرار باعتباره سابقة قضائية تتعلق بالمسجد الإبراهيمي، إذ يمنح المؤسسات الإسرائيلية المختصة صلاحيات مباشرة لإجراء تعديلات داخل الموقع، بعيداً عن الجهات الفلسطينية التي كانت تتولى إدارة ملف التخطيط والإشراف العمراني للمسجد.
المسجد الإبراهيمي في قلب معركة السيادة والهوية
يحتل المسجد الإبراهيمي مكانة دينية وتاريخية لدى المسلمين، ويُعد من أقدم وأهم المعالم الإسلامية في فلسطين. ومنذ احتلال مدينة الخليل عام 1967، تحول المسجد إلى بؤرة صراع متواصل بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي أعقبتها إجراءات تقسيم زماني ومكاني داخل المسجد لصالح المستوطنين.
ويقول مدير المسجد الإبراهيمي معتز أبو سنينة إن قرار المحكمة الإسرائيلية الأخيرة يشكل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يمس بصورة مباشرة الوضع التاريخي والقانوني والديني للمسجد، ويكشف بصورة واضحة انحياز المنظومة القضائية الإسرائيلية لمشاريع الاحتلال الرامية إلى فرض سيطرة كاملة على الحرم الإبراهيمي.
وأضاف أن القرار يكرس عملية سحب الصلاحيات من المؤسسات الفلسطينية الشرعية وتحويلها إلى سلطات الاحتلال، الأمر الذي يمثل اعتداءً مباشراً على الوضع القائم داخل المسجد، وانتهاكاً للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية دور العبادة والمواقع التراثية.
وأكد أبو سنينة أن المحكمة الإسرائيلية لم تعد تمثل أي عائق أمام مشاريع التهويد، بل أصبحت، وفق وصفه، أداة قانونية تمنح الشرعية للمصادرة والتغيير الديمغرافي والعمراني داخل المواقع الفلسطينية الحساسة.
مشروع قديم يعود إلى الواجهة
من جهته، أوضح مدير لجنة إعمار الخليل مهند الجعبري أن مشروع تسقيف الساحة الداخلية للمسجد ليس جديداً، بل تسعى سلطات الاحتلال إلى تنفيذه منذ سنوات طويلة، غير أن الاعتراضات القانونية الفلسطينية والضغوط المرتبطة بطبيعة الموقع التاريخية حالت دون تنفيذه.
وأشار إلى أن التطورات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر 2023 وفرت للاحتلال هامشاً أوسع لتمرير مشاريع كان يواجه صعوبة في تنفيذها سابقاً.
وبيّن أن الاحتلال حاول تسويق المشروع أمام المحاكم الإسرائيلية باعتباره مشروعاً "خدماتياً وإنسانياً" يهدف إلى حماية المستوطنين من الظروف الجوية أثناء أداء الطقوس الدينية، وهي الذريعة ذاتها التي استخدمت سابقاً لتبرير إقامة المصعد الكهربائي داخل المسجد تحت عنوان تسهيل وصول ذوي الاحتياجات الخاصة من المستوطنين.
لكن الجعبري يؤكد أن الهدف الحقيقي للمشروع يتجاوز الجوانب الخدمية، ويتمثل في تعزيز السيطرة الإسرائيلية على أجزاء إضافية من المسجد، خصوصاً أن المشروع يشمل إقامة سقف يمتد على مساحة تقدر بنحو 122 متراً مربعاً داخل موقع يتمتع بحماية دولية باعتباره جزءاً من التراث العالمي.
تسارع الإجراءات الإسرائيلية في الخليل
ويتزامن القرار القضائي مع تصاعد الإجراءات الإسرائيلية داخل البلدة القديمة من مدينة الخليل والمسجد الإبراهيمي منذ اندلاع الحرب على غزة.
ووفق مسؤولين فلسطينيين، شهدت الفترة الماضية توسعاً في النشاطات الاستيطانية داخل المدينة، إضافة إلى فرض مزيد من القيود الأمنية والعسكرية على السكان
الفلسطينيين.
ومن بين الإجراءات الأخيرة التي أثارت غضباً واسعاً، الاستيلاء على مبنى بلدية الخليل وتحويله إلى نقطة عسكرية، وتركيب حواجز جديدة على مداخل البلدة القديمة، فضلاً عن تنظيم فعاليات استيطانية احتفالية بمناسبة مرور 59 عاماً على احتلال المدينة.
ويرى فلسطينيون أن هذه الخطوات تشكل جزءاً من سياسة متكاملة تهدف إلى تغيير الطابع التاريخي والديمغرافي للبلدة القديمة وتعزيز الحضور الاستيطاني فيها.
تهديد لموقع مدرج على قائمة التراث العالمي
ولا تتوقف أبعاد القضية عند الجانب الديني والسياسي فحسب، بل تمتد إلى البعد الثقافي والتراثي، إذ أدرجت منظمة اليونسكو المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل على قائمة التراث العالمي عام 2017 باعتبارهما موقعاً تراثياً فلسطينياً مهدداً بالخطر.
ويحذر مدير مديرية السياحة والآثار في محافظة الخليل جبر الرجوب من أن القرار الإسرائيلي يمثل واحداً من أخطر التهديدات التي تعرض لها الموقع منذ إدراجه على قائمة التراث العالمي.
وأوضح أن المشروع لا يتعلق بمجرد تعديل هندسي محدود، بل يمهد لإحداث تغييرات جوهرية في معالم الموقع التاريخية والمعمارية، ويمنح الاحتلال غطاءً قانونياً داخلياً للاستمرار في تنفيذ مشاريع تمس أصالة المكان وسلامته الأثرية.
وأضاف أن نقل صلاحيات التخطيط والإدارة إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية يمثل خطوة إضافية نحو فرض واقع جديد داخل المسجد الإبراهيمي، بما يهدد هويته التاريخية والقانونية.
مخالفة للاتفاقيات الدولية
ويؤكد مختصون في التراث والآثار أن أي تغيير يطرأ على المسجد الإبراهيمي دون موافقة الجهات المختصة دولياً يشكل مخالفة مباشرة لعدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي.
ويشير هؤلاء إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تتعارض مع اتفاقية حماية التراث العالمي لعام 1972، وكذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، فضلاً عن أحكام القانون الدولي الإنساني التي تمنع سلطات الاحتلال من إجراء تغييرات جوهرية في المواقع الواقعة تحت الاحتلال.
تحركات فلسطينية ودعوات لتدخل دولي
في مواجهة القرار، كثفت المؤسسات الفلسطينية تحركاتها القانونية والدبلوماسية، حيث تواصل وزارة السياحة والآثار اتصالاتها مع منظمة اليونسكو ومركز التراث العالمي والهيئات الدولية المختصة للمطالبة بإجراءات عاجلة لحماية المسجد الإبراهيمي.
وتسعى الجهات الفلسطينية إلى الدفع نحو إرسال بعثات دولية متخصصة لرصد الانتهاكات الجارية داخل الموقع، والعمل على وقف الإجراءات الأحادية التي تنفذها سلطات الاحتلال في المسجد ومحيطه.
كما تواصل بلدية الخليل ولجنة إعمار الخليل والجهات الرسمية الأخرى إعداد ملفات قانونية وفنية لتوثيق الانتهاكات وتقديمها إلى المؤسسات الدولية المختصة، في محاولة لمنع فرض تغييرات دائمة على أحد أهم المواقع الدينية والتاريخية في فلسطين.

